البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٩ - ثم دخلت سنة أربع و أربعين و سبعمائة
هائلا لم يسمع بمثله من مدة سنين عديدة، و قد اقترب أوانه، و شرع كثير من البلاد في حصاد الشعير و بعض القمح مع كثرة الفول و بوادر التوت، فلو لا ذلك لكان غير ذلك، و لكن لطف اللَّه بعباده، و هو الحاكم المتصرف الفعال لما يريد لا إله إلا هو.
ثم دخلت سنة أربع و أربعين و سبعمائة
استهلت هذه السنة و سلطان المسلمين الملك الناصر عماد الدنيا و الدين إسماعيل ابن الملك الناصر ناصر الدين محمد بن الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي، و نائبة بالديار المصرية الأمير سيف الدين آقسنقر السلارى، و قضاته هم هم المتقدم ذكرهم في العام الماضي، و نائبة بدمشق الأمير سيف الدين تغردمر الحموي، و قضاته هم المتقدم ذكرهم، و كذلك الصاحب و الخطيب و ناظر الجامع و الخزانة. و مشد الأوقاف و ولاية المدينة.
استهلت و الجيوش المصرية و الشامية محيطة بحصن الكرك محاصرون و يبالغون في أمره، و المنجنيق منصوب و أنواع آلات الحصار كثيرة، و قد رسم بتجريدة من مصر و الشام أيضا تخرج إليها. و في يوم الخميس عاشر صفر دخلت التجريدة من الكرك إلى دمشق و استمرت التجريدة الجديدة على الكرك ألفان من مصر و ألفان من الشام، و المنجنيق منقوض موضوع عند الجيش خارج الكرك، و الأمور متوقفة على و برد [١] الحصار بعد رجوع الأحمدي إلى مصر.
و في يوم السبت ثانى ربيع الأول توفى السيد الشريف عماد الدين الخشاب بالكوشك في درب السيرجى جوار المدرسة العزية، و صلى عليه ضحى بالجامع الأموي، و دفن بمقابر باب الصغير، و كان رجلا شهما كثير العبادة و المحبة للسنة و أهلها، ممن واظب الشيخ تقى الدين بن تيمية (رحمه اللَّه) و انتفع به، و كان من جملة أنصاره و أعوانه على الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و هو الّذي بعثه إلى صيدنايا مع بعض القسيسين فلوث يده بالعذرة و ضرب اللحمة التي يعظمونها هنالك، و أهانها غاية الإهانة لقوة إيمانه و شجاعته (رحمه اللَّه) و إيانا.
و في يوم الخميس سابعه اجتمع الصاحب و مشد الدواوين و وكيل بيت المال، و مشد الأوقاف و مباشرو الجامع و معهم العمالين بالقول و المعاول، يحفرون إلى جانب السارية عند باب مشهد على تحت تلك الصخرة التي كانت هناك، و ذلك عن قول رجل جاهل، زعم أن هناك مالا مدفونا فشاوروا نائب السلطنة فأمرهم بالحفر، و اجتمع الناس و العامة فأمرهم فأخرجوا و أغلقت أبواب الجامع كلها ليتمكنوا من الحفر، ثم حفروا ثانيا و ثالثا فلم يجدوا شيئا إلا التراب المحض، و اشتهر هذا الحفير في البلد و قصده الناس للنظر إليه و التعجب من أمره، و انفصل الحال على أن حبس هذا الزاعم لهذا المحال، و طم الحفير كما كان.
[١] كذا في الأصل. فليحرر.