البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٠ - ثم دخلت سنة أربع و أربعين و سبعمائة
و في يوم الاثنين ثامن عشر ربيع الأول قدم قاضى حلب ناصر الدين بن الخشاب على البريد مجتازا إلى دمشق فنزل بالعادلية الكبيرة، و أخبر أنه صلى على المحدث البارع الفاضل الحافظ شمس الدين محمد بن على بن أيبك السروجي المصري يوم الجمعة ثامن هذا الشهر بحلب (رحمه اللَّه) و مولده سنة خمس عشرة و سبعمائة، و كان قد أتقن طرفا جيدا في علم الحديث، و حفظ أسماء الرجال، و جمع و خرج.
و في مستهل ربيع الآخر وقع حريق عظيم بسفح قاسيون احترق به سوق الصالحية الّذي بالقرب من جامع المظفري، و كانت جملة الدكاكين التي احترقت قريبا من مائة و عشرين دكانا، و لم ير حريق من زمان أكبر منه و لا أعظم، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و في يوم الجمعة سادسه رسم بأن يذكر بالصلاة يوم الجمعة في سائر مواذن البلد كما يذكر في مواذن الجامع، ففعل ذلك. و في يوم الثلاثاء عاشره طلب من القاضي تقى الدين السبكى قاضى قضاة الشافعية أن يقرض ديوان السلطان شيئا من أموال الغياب التي تحت يده، فامتنع من ذلك امتناعا كثيرا، فجاء شاد الدواوين و بعض حاشية نائب السلطنة ففتحوا مخزن الأيتام و أخذوا منه خمسين ألف درهم قهرا، و دفعوها إلى بعض العرب عما كان تأخر له في الديوان السلطاني، و وقع أمر كثير لم يعهد مثله.
و في يوم الأربعاء عاشر جمادى الأولى توفى صاحبنا الشيخ الامام العالم العلامة الناقد البارع في فنون العلوم شمس الدين محمد بن الشيخ عماد الدين أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي، تغمده اللَّه برحمته، و أسكنه بحبوحة جنته، مرض قريبا من ثلاثة أشهر بقرحة و حمى سل، ثم تفاقم أمره و أفرط به إسهال، و تزايد ضعفه إلى أن توفى يومئذ قبل أذان العصر، فأخبرني والده أن آخر كلامه أن قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أشهد أن محمدا رسول اللَّه، اللَّهمّ اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين. فصلى عليه يوم الخميس بالجامع المظفري و حضر جنازته قضاة البلد و أعيان الناس من العلماء و الأمراء و التجار و العامة، و كانت جنازته حافلة مليحة، عليها ضوء و نور، و دفن بالروضة إلى جانب قبر السيف ابن المجد (رحمهما اللَّه تعالى)، و كان مولده في رجب سنة خمس و سبعمائة فلم يبلغ الأربعين، و حصل من العلوم ما لا يبلغه الشيوخ الكبار، و تفنن في الحديث و النحو و التصريف و الفقه و التفسير و الأصلين و التاريخ و القراءات و له مجاميع و تعاليق مفيدة كثيرة، و كان حافظا جيدا لأسماء الرجال، و طرق الحديث، عارفا بالجرح و التعديل، بصيرا بعلل الحديث، حسن الفهم له، جيد المذاكرة صحيح الذهن مستقيما على طريقة السلف، و اتباع الكتاب و السنة، مثابرا على فعل الخيرات.
و في يوم الثلاثاء سلخه درس بمحراب الحنابلة صاحبنا الشيخ الامام العلامة شرف الدين بن