البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٥ - كائنة وقعت بقرية حوران
مسك الأمير على المارداني نائب الشام
و أصل ذلك أنه في صبيحة يوم الأربعاء الثاني و العشرين من رجب، ركب الجيش إلى تحت القلعة ملبسين و ضربت البشائر في القلعة في ناحية الطارمة، و جاء الأمراء بالطبلخانات من كل جانب و القائم بأعباء الأمر الأمير سيف الدين بيدمر الحاجب، و نائب السلطنة داخل دار السعادة و الرسل مرددة بينه و بين الجيش، ثم خرج فحمل على سروج يسيرة محتاطا عليه إلى ناحية الديار المصرية، و استوحش من أهل الشام عند باب النصر، فتباكى الناس رحمة له و أسفة عليه، لديانته و قلة أذيته و أذية الرعية و إحسانه إلى العلماء و الفقراء و القضاة.
ثم في صبيحة يوم الخميس الثالث و العشرين منه احتيط على الأمراء الثلاثة، و هم الأمير سيف الدين طيبغا حجى أحد مقدمي الألوف، و الأمير سيف الدين فطليخا الدوادار أحد المقدمين أيضا و الأمير علاء الدين آيدغمش المارداني أحد أمراء الطبلخانات، و كان هؤلاء ممن حضر نائب السلطنة المذكور و هم جلساؤه و سماره، و الذين بسفارته أعطوا الأجناد و الطبلخانات و التقادم، فرفعوا إلى القلعة المنصورة معتقلين بها مع من بها من الأمراء، ثم ورد الخبر بأن الأمير على رد من الطريق بعد مجاوزته غزة و أرسل إليه بتقليد نيابة صغد المحروسة، فتماثل الحال و فرح بذلك أصحابه و أحبابه، و قدم متسلم دمشق الّذي خلع عليه بنيابتها بالديار المصرية في يوم الخميس سادس عشر شهر رجب بعد أن استعفى من ذلك مرارا، و باس الأرض مرارا فلم يعفه السلطان، و هو الأمير سيف الدين استدمر أخو يلبغا البحناوي، الّذي كان نائب الشام، و بنته اليوم زوجة السلطان، قدم متسلمه إلى دمشق يوم الخميس سلخ الشهر فنزل في دار السعادة، و راح القضاة و الأعيان للسلام عليه و التودد إليه، و حملت إليه الضيافات و التقادم، انتهى و اللَّه أعلم.
كائنة وقعت بقرية حوران
«فأوقع اللَّه بهم بأسا شديدا في هذا الشهر الشريف» و ذلك أنهم أشهر أهل قرية بحوران و هي خاص لنائب الشام و هم حلبية يمن و يقال لهم بنو لبسه و بنى ناشى و هي حصينة منيعة يضوى إليها كل مفسد و قاطع و مارق و لجأ إليهم أحد شياطين رويمن العشير و هو عمر المعروف بالدنيط، فأعدوا عددا كثيرة و نهبوا ليغنموا العشير، و في هذا الحين بدرهم والى الولاة المعروف بشنكل منكل، فجاء إليهم ليردهم و يهديهم، و طلب منهم عمر الدنيط فأبوا عليه و راموا مقاتلته، و هم جمع كثير و جم غفير، فتأخر عنهم و كتب إلى نائب السلطنة ليمده بجيش عونا له عليهم و على أمثالهم، فجهز له جماعة من أمراء الطبلخانات و العشراوات و مائة من جند الحلقة الرماة، فلما بغتهم في بلدهم تجمعوا لقتال العسكر و رموه بالحجارة و المقاليع، و حجزوا بينهم و بين البلد،