البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٧ - ثم دخلت سنة أربع و خمسين و سبعمائة
ثم دخلت سنة أربع و خمسين و سبعمائة
استهلت هذه السنة و سلطان الإسلام بالديار المصرية و البلاد الشامية و المملكة الحلبية و ما والاها و الحرمين الشريفين الملك الصالح صلاح الدين صالح بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي، و نائبة بالديار المصرية الأمير سيف الدين قبلاى، و المشار إليهم في تدبير المملكة الأمراء سيف الدين شيخون، و سيف الدين طار، و سيف الدين صرغتمش الناصري، و قضاة القضاة و كاتب السر هناك هم المذكورون في السنة الماضية، و نائب حلب الأمير سيف الدين أرغون الكاملي، لأجل مقاتلة أولئك الأمراء الثلاثة يلبغا و أمير أحمد و بكلمش الذين فعلوا ما ذكرنا في رجب من السنة الماضية، ثم لجئوا إلى بلاد البلبيسين في خفارة زلغادر التركماني، ثم إنه احتال عليهم من خوفه من صاحب مصر و أسلمهم إلى قبضة نائب حلب المذكور، ففرح المسلمون بذلك فرحا شديدا، و للَّه الحمد و المنة، و نائب طرابلس الأمير سيف الدين أيتمش الّذي كان نائب دمشق كما ذكرنا، تقلبت به الأحوال حتى استنيب في طرابلس حين كان السلطان بدمشق كما تقدم.
و استهلت هذه السنة و قد تواترت الأخبار بأن الأمراء الثلاثة يلبغا و بكلمش و أمير أحمد قد حصلوا في قبضة نائب حلب الأمير سيف الدين أرغون، و هم مسجونون بالقلعة بها، ينتظر ما يرسم به فيهم، و قد فرح المسلمون بذلك فرحا شديدا. و في يوم السبت سابع عشر المحرم وصل إلى دمشق الأمير عز الدين مغلطاى الدويدار عائدا من البلاد الحلبية، و في صحبته رأس يلبغا الباغي أمكن اللَّه منه بعد وصول صاحبيه بكلمش الّذي كان نائبا بطرابلس، و أمير أحمد الّذي كان نائب حماة فقطعت رءوسهما بحلب بين يدي نائبها سيف الدين أرغون الكاملي، و سيرت إلى مصر، و لما وصل يلبغا بعدهما فعل به كفعلهما جهرة بعد العصر بسوق الخيل بين يدي نائب السلطنة و الجيش برمته و العامة على الأجاجير يتفرجون و يفرحون بمصرعه، و سر المسلمون كلهم و للَّه الحمد و المنة.
و في يوم الجمعة الثامن و العشرين من شهر ربيع الأول أقيمت جمعة جديدة بمحلة الشاغور بمسجد هناك يقال له مسجد المزار، و خطب فيه جمال الدين عبد اللَّه بن الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية، ثم وقع في ذلك كلام فأفضى الحال أن أهل المحلة ذهبوا إلى سوق الخيل يوم موكبه، و حملوا سناجق خليفتين من جامعهم و مصاحف و اشتملوا إلى نائب السلطنة و سألوا منه أن تستمر الخطبة عندهم، فأجابهم إلى ذلك في الساعة الراهنة، ثم وقع نزاع في جواز ذلك، ثم حكم القاضي الحنبلي لهم بالاستمرار، و جرت خطوب طويلة بعد ذلك.
و في يوم الأحد سابع ربيع الآخر توفى الأمير الكبير سيف الدين ألجى بغا العادلى، و دفن بتربته التي كان أنشأها قديما ظاهر باب الجابية، و هي مشهورة تعرف به، و كان له في الامرة قريبا