البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧١ - كائنة غريبة عجيبة جدا و هي هذه المعلم سنجر مملوك بن هلال
تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُونَ و نودي عليه في البلد إنما فعل به ذلك لأنه لا يؤدى الزكاة و يعامل بالربا، و حاجب السلطان و متولى البلد، و بقية المتعممين و المشاعلية تنادى عليه في أسواق البلد و أرجائها.
و في اليوم الثامن و العشرين منه ورد المرسوم السلطاني الشريف بإطلاق الدواوين إلى ديارهم و أهاليهم، ففرح الناس بسبب ذلك لخلاصهم مما كانوا فيه من العقوبة و المصادرة البليغة، و لكن لم يستمر بهم في مباشراتهم.
و في أواخر الشهر تكلم الشيخ شهاب الدين المقدسي الواعظ، قدم من الديار المصرية تجاه محراب الصحابة، و اجتمع الناس إليه و حضر من قضاة القضاة الشافعيّ و المالكي، فتكلم على تفسير آيات من القرآن، و أشار إلى أشياء من إشارات الصوفية بعبارات طلقة معربة حلوة صادعة للقلوب فأفاد و أجاد، و ودع الناس بعوده إلى بلده، و لما دعا استنهض الناس للقيام، فقاموا في حال الدعاء، و قد اجتمعت به بالمجلس فرأيته حسن الهيئة و الكلام و التأدب، فاللَّه يصلحه و إيانا آمين.
و في مستهل جمادى الآخرة ركب الأمير سيف الدين بيدمر نائب حلب لقصد غزو بلاد سيس في جيش، لقاه اللَّه النصر و التأييد. و في مستهل هذا الشهر أصبح أهل القلعة و قد نزل جماعة من أمراء الأعراب من أعالى مجلسهم في عمائم و حبال إلى الخندق و خاضوه و خرجوا من عند جسر الزلابية فانطلق اثنان و أمسك الثالث الّذي تبقى في السجن، و كأنه كان يمسك لهم الحبال حتى تدلوا فيها، فاشتد نكير نائب السلطنة على نائب القلعة، و ضرب ابنيه النقيب و أخاه و سجنهما، و كاتب في هذه الكائنة إلى السلطان، فورد المرسوم بعزل نائب القلعة و إخراجه منها، و طلبه لمحاسبة ما قبض من الأموال السلطانية في مدة ست سنى مباشرته، و عزل ابنه عن النقابة و ابنه الآخر عن استدرائه السلطان، فنزلوا من عزهم إلى عزلهم.
و في يوم الاثنين سابع عشره جاء الأمير تاج الدين جبريل من عند الأمير سيف الدين بيدمر نائب حلب، و قد فتح بلدين من بلاد سيس، و هما طرسوس و أذنة، و أرسل مفاتيحهما صحبة جبريل المذكور إلى السلطان أيده اللَّه، ثم افتتح حصونا أخر كثيرة في أسرع مدة، و أيسر كلفة، و خطب القاضي ناصر الدين كاتب السر خطبة بليغة حسنة، و بلغني في كتاب أن أبواب كنيسة أذنة حملت إلى الديار المصرية في المراكب. قلت: و هذه هي أبواب الناصرية التي بالسفح، أخذها سيس عام قازان، و ذلك في سنة تسع و تسعين و ستمائة، فاستنفذت و للَّه الحمد في هذه السنة.
و في أواخر هذا الشهر بلغنا أن الشيخ قطب الدين هرماس الّذي كان شيخ السلطان طرد عن جناب مخدومه، و ضرب و صودر، و خربت داره إلى الأساس، و نفى إلى مصياف، فاجتاز بدمشق