البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١ - ترجمة والد ابن كثير مؤلف هذا التاريخ
الوزير فتح الدين
أبو محمد عبد اللَّه بن محمد بن أحمد بن خالد بن محمد بن نصر بن صقر القرشي المخزومي ابن القيسراني، كان شيخا جليلا أديبا شاعرا مجودا من بيت رياسة و وزارة، ولى وزارة دمشق مدة ثم أقام بمصر موقعا مدة، و كان له اعتناء بعلوم الحديث و سماعه، و له مصنف في أسماء الصحابة الذين خرج لهم في الصحيحين، و أورد شيئا من أحاديثهم في مجلدين كبيرين موقوفين بالمدرسة الناصرية بدمشق، و كان له مذاكرة جيدة محررة باللفظ و المعنى، و قد خرج عنه الحافظ الدمياطيّ، و هو آخر من توفى من شيوخه، توفى بالقاهرة في يوم الجمعة الحادي و العشرين من ربيع الآخر، و أصلهم من قيسارية الشام. و كان جده موفق الدين أبو البقاء خالد وزيرا لنور الدين الشهيد، و كان من الكتاب المجيدين المتقنين، له كتابة جيدة محررة جدا، توفى في أيام صلاح الدين سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة، و أبوه محمد بن نصر بن صقر ولد بعكة قبل أخذ الفرنج لها سنة ثمان و سبعين و أربعمائة، فلما أخذت بعد السبعين و أربعمائة انتقل أهلهم إلى حلب و كانوا بها، و كان شاعرا مطبقا له ديوان مشهور، و كان له معرفة جيدة بالنجوم و علم الهيئة و غير ذلك.
ترجمة والد ابن كثير مؤلف هذا التاريخ
و فيها توفى الوالد و هو الخطيب شهاب الدين أبو حفص عمر بن كثير بن ضو بن كثير بن ضو بن درع القرشي من بنى حصلة، و هم ينتسبون إلى الشرف و بأيديهم نسب، وقف على بعضها شيخنا المزي فأعجبه ذلك و ابتهج به، فصار يكتب في نسبي بسبب ذلك: القرشي، من قرية يقال لها الشركوين غربي بصرى، بينها و بين أذرعات، ولد بها في حدود سنة أربعين و ستمائة، و اشتغل بالعلم عند أخواله بنى عقبة ببصرى، فقرأ البداية في مذهب أبى حنيفة، و حفظ جمل الزجاجي، و عنى بالنحو و العربية و اللغة، و حفظ أشعار العرب حتى كان يقول الشعر الجيد الفائق الرائق في المدح و المراثي و قليل من الهجاء، و قرر بمدارس بصرى بمنزل الناقة شمالي البلد حيث يزار، و هو المبرك المشهور عند الناس و اللَّه أعلم بصحة ذلك، ثم انتقل إلى خطابة القرية شرقى بصرى و تمذهب للشافعي، و أخذ عن النواوى و الشيخ تقى الدين الفزاري، و كان يكرمه و يحترمه فيما أخبرنى شيخنا العلامة ابن الزملكانى، فأقام بها نحوا من ثنتى عشرة سنة، ثم تحول إلى خطابة مجيدل القرية التي منها الوالدة، فأقاما بها مدة طويلة في خير و كفاية و تلاوة كثيرة، و كان يخطب جيدا، و له مقول عند الناس، و لكلامه وقع لديانته و فصاحته و حلاوته، و كان يؤثر الاقامة في البلاد لما يرى فيها من الرّفق و وجود الحلال له و لعياله، و قد ولد له عدة أولاد من الوالدة و من أخرى قبلها، أكبرهم إسماعيل ثم يونس و إدريس، ثم من الوالدة عبد الوهاب و عبد العزيز و محمد و أخوات عدة، ثم أنا أصغرهم، و سميت