البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٣ - ثم دخلت سنة ست و ثلاثين و سبعمائة
و كانت وفاة مهنا هذا ببلاد سلمية في ثامن عشر ذي القعدة، و دفن هناك (رحمه اللَّه).
الشيخ الزاهد
فضل بن عيسى بن قنديل العجلونى الحنبلي المقيم بالمسمارية، أصله من بلاد حبراحى، كان متقللا من الدنيا يلبس ثيابا طوالا و عمامة هائلة، و هي بأرخص الأثمان، و كان يعرف تعبير الرؤيا و يقصد لذلك، و كان لا يقبل من أحد شيئا، و قد عرضت عليه وظائف بجوامك كثيرة فلم يقبلها، بل رضى بالرغيد الهنى من العيش الخشن إلى أن توفى في ذي الحجة، و له نحو تسعين سنة، و دفن بالقرب من قبر الشيخ تقى الدين بن تيمية (رحمهما اللَّه)، و كانت جنازته حافلة جدا.
ثم دخلت سنة ست و ثلاثين و سبعمائة
استهلت بيوم الجمعة و الحكام هم المذكورون في التي قبلها. و في أول يوم منها ركب تنكز إلى قلعة جعبر و معه الجيش و المناجنيق فغابوا شهرا و خمسة أيام و عادوا سالمين. و في ثامن صفر فتحت الخانقاه التي أنشأها سيف الدين قوصون الناصري خارج باب القرافة، و تولى مشيختها الشيخ شمس الدين الأصبهاني المتكلم. و في عاشر صفر خرج ابن جملة من السجن بالقلعة و جاءت الأخبار بموت ملك التتار أبى سعيد بن خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن تولى بن جنكزخان، في يوم الخميس ثانى عشر ربيع الآخر بدار السلطنة بقراباغ، و هي منزلهم في الشتاء، ثم نقل إلى تربته بمدينته التي أنشأها قريبا من السلطانية مدينة أبيه، و قد كان من خيار ملوك التتار و أحسنهم طريقة و أثبتهم على السنة و أقومهم بها، و قد عز أهل السنة بزمانه و ذلت الرافضة، بخلاف دولة أبيه، ثم من بعده لم يقم للتتار قائمة، بل اختلفوا فتفرقوا شذر مذر إلى زماننا هذا، و كان القائم من بعده بالأمر ارتكاوون من ذرية أبغا، و لم يستمر له الأمر إلا قليلا.
و في يوم الأربعاء عاشر جمادى الأولى درس بالناصرية الجوانية بدر الدين الأردبيلي عوضا عن كمال الدين ابن الشيرازي توفى، و حضر عنده القضاة. و فيه درس بالظاهرية البرانية الشيخ الامام المقري سيف الدين أبو بكر الحريري عوضا عن بدر الدين الأردبيلي، تركها لما حصلت له الناصرية الجوانية، و بعده بيوم درس بالنجيبية كاتبه إسماعيل ابن كثير عوضا عن الشيخ جمال الدين ابن قاضى الزبدانى تركها حين تعين له تدريس الظاهرية الجوانية، و حضر عنده القضاة و الأعيان و كان درسا حافلا أثنى عليه الحاضرون و تعجبوا من جمعه و ترتيبه، و كان ذلك في تفسير قوله تعالى إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ و انساق الكلام إلى مسألة ربا الفضل. و في يوم الأحد رابع عشره ذكر الدرس بالظاهرية المذكورة ابن قاضى الزبدانى عوضا عن علاء الدين ابن القلانسي توفى، و حضر عنده القضاة و الأعيان، و كان يوما مطيرا.