البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٧ - نيابة تنكز على الشام
و غلاء الأسعار و موت كثير منهم، و أشار على سلطانهم بالرجوع الرشيد و جوبان.
و في ثامن شوال دقت البشائر بدمشق بسبب خروج السلطان من مصر لأجل ملاقاة التتر، و خرج الركب في نصف شوال و أميرهم حسام الدين لاجين الصغير، الّذي كان والى البر، و قدمت العساكر المصرية أرسالا، و كان قدوم السلطان و دخوله دمشق ثالث عشرين شوال، و احتفل الناس لدخوله و نزل القلعة و زينت البلد و ضربت البشائر، ثم انتقل بعد ليلتئذ إلى القصر و صلى الجمعة بالجامع بالمقصورة و خلع على الخطيب، و جلس في دار العدل يوم الاثنين، و قدم وزيره أمين الملك يوم الثلاثاء عشرين الشهر، و قدم صحبة السلطان الشيخ الامام العالم العلامة تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية إلى دمشق يوم الأربعاء مستهل ذي القعدة و كانت غيبته عنها سبع سنين، و معه أخواه و جماعة من أصحابه، و خرج خلق كثير لتلقيه و سروا بقدومه و عافيته و رؤيته، و استبشروا به حتى خرج خلق من النساء أيضا لرؤيته، و قد كان السلطان صحبه معه من مصر فخرج معه بنية الغزاة، فلما تحقق عدم الغزاة و أن التتر رجعوا إلى بلادهم فارق الجيش من غزة و زار القدس و أقام به أياما، ثم سافر على عجلون و بلاد السواد و زرع، و وصل دمشق في أول يوم من ذي القعدة، فدخلها فوجد السلطان قد توجه إلى الحجاز الشريف في أربعين أميرا من خواصه يوم الخميس ثانى ذي القعدة، ثم إن الشيخ بعد وصوله إلى دمشق و استقراره بها لم يزل ملازما لاشتغال الناس في سائر العلوم و نشر العلم و تصنيف الكتب و إفتاء الناس بالكلام و الكتابة المطولة و الاجتهاد في الأحكام الشرعية ففي بعض الأحكام يفتى بما أدى إليه اجتهاده من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، و في بعضها يفتى بخلافهم و بخلاف المشهور في مذاهبهم، و له اختيارات كثيرة مجلدات عديدة أفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده، و استدل على ذلك من الكتاب و السنة و أقوال الصحابة و السلف.
فلما سار السلطان إلى الحج فرق العساكر و الجيوش بالشام و ترك أرغون بدمشق. و في يوم الجمعة لبس الشيخ كمال الدين الزملكانى خلعة وكالة بيت المال عوضا عن ابن الشريشى، و حضر بها الشباك و تكلم وزير السلطان في البلد، و طلب أموالا كثيرة و صادر و ضرب بالمقارع و أهان جماعة من الرؤساء منهم ابن فضل اللَّه محيي الدين. و فيه عين شهاب الدين بن جهبل لتدريس الصلاحية بالمقدس عوضا عن نجم الدين داود الكردي توفى، و قد كان مدرسا بها من نحو ثلاثين سنة، فسافر ابن جهبل إلى القدس بعد عيد الأضحى.
و فيها مات ملك القفجاق المسمى طغطاى خان، و كان له في الملك ثلاث و عشرون سنة، و كان عمره ثمانا و ثلاثين سنة، و كان شهما شجاعا على دين التتر في عبادة الأصنام و الكواكب، يعظم المجسمة و الحكماء و الأطباء و يكرم المسلمين أكثر من جميع الطوائف، كان جيشه هائلا لا يجسر