البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٦ - نيابة تنكز على الشام
قضاء العسكر إليه، و أن ينظر الأوقاف فلا يشاركه أحد في الاستنابة في البلاد الشامية على عادة من تقدمه من قضاة الشافعية، و جاء مرسوم لشمس الدين أبى طالب بن حميد بنظر الجيش عوضا عن ابن شيخ السلامية بحكم إقامته بمصر، ثم بعد أيام وصل الصدر معين الدين هبة اللَّه بن خشيش ناظر الجيش و جعل ابن حميد بوظيفة ابن البدر، و سافر ابن البدر على نظر جيش طرابلس، و تولى أرغون نيابة مصر و عاد فخر الدين كاتب المماليك إلى وظيفته مع استمرار قطب الدين بن شيخ السلامية مباشرا معه.
و في هذا الشهر قام الشيخ محمد بن قوام و معه جماعة من الصالحين على ابن زهرة المغربي الّذي كان يتكلم بالكلاسة و كتبوا عليه محضرا يتضمن استهانته بالمصحف، و أنه يتكلم في أهل العلم، فأحضر إلى دار العدل فاستسلم و حقن دمه و عزر تعزيرا بليغا عنيفا و طيف به في البلد باطنه و ظاهره، و هو مكشوف الرأس و وجهه مقلوب و ظهره مضروب، ينادى عليه هذا جزاء من يتكلم في العلم بغير معرفة، ثم حبس و أطلق فهرب إلى القاهرة، ثم عاد على البريد في شعبان و رجع إلى ما كان عليه.
و فيها قدم بهادرآص من نيابة صغد إلى دمشق و هنأه الناس، و فيها قدم كتاب من السلطان إلى دمشق أن لا يولى أحد بمال و لا برشوة فان ذلك يفضي إلى ولاية من لا يستحق الولاية، و إلى ولاية غير الأهل، فقرأه ابن الزملكانى على السدة و بلغه عنه ابن حبيب المؤذن، و كان سبب ذلك الشيخ تقى الدين بن تيمية (رحمه اللَّه).
و في رجب و شعبان حصل للناس خوف بدمشق بسبب أن التتر قد تحركوا للمجيء إلى الشام، فانزعج الناس من ذلك و خافوا، و تحول كثير منهم إلى البلد، و ازدحموا في الأبواب، و ذلك في شهر رمضان و كثرت الأراجيف بأنهم قد وصلوا إلى الرحبة، و كذلك جرى و اشتهر بأن ذلك بإشارة قراسنقر و ذويه فاللَّه أعلم. و في رمضان جاء كتاب السلطان أن من قتل لا يجنى أحد عليه، بل يتبع القاتل حتى يقتص منه بحكم الشرع الشريف، فقرأه ابن الزملكانى على السدة بحضرة نائب السلطنة ابن تنكز و سببه ابن تيمية، هو أمر بذلك و بالكتاب الأول قبله. و في أول رمضان وصل التتر إلى الرحبة فحاصروها عشرين يوما و قاتلهم نائبها الأمير بدر الدين موسى الأزدكشى خمسة أيام قتالا عظيما، و منعهم منها فأشار رشيد الدولة بأن ينزلوا إلى خدمة السلطان خربندا و يهدوا له هدية و يطلبون منه العفو، فنزل القاضي نجم الدين إسحاق و أهدوا له خمسة رءوس خيل، و عشرة أباليج سكر، فقبل ذلك و رجع إلى بلاده، و كانت بلاد حلب و حماة و حمص قد أجلوا منها و خرب أكثرها ثم رجعوا إليها لما تحققوا رجوع التتر عن الرحبة، و طابت الاخبار و سكنت النفوس و دقت البشائر و تركت الأئمة القنوت، و خطب الخطيب يوم العيد و ذكر الناس بهذه النعمة. و كان سبب رجوع التتر قلة العلف