البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٨ - ثم دخلت سنة تسع و أربعين و سبعمائة
الشافعيّ مشاجرات بسبب أمور، ثم اصطلحا فيما بعد ذلك.
و في يوم الاثنين ثانى عشره بعد أذان الظهر حصل بدمشق و ما حولها ريح شديدة أثارت غبارا شديدا اصفر الجو منه ثم اسود حتى أظلمت الدنيا، و بقي الناس في ذلك نحوا من ربع ساعة يستجيرون اللَّه و يستغفرون و يبكون، مع ما هم فيه من شدة الموت الذريع، و رجا الناس أن هذا الحال يكون ختام ما هم فيه من الطاعون، فلم يزدد الأمر إلا شدة، و باللَّه المستعان. و بلغ المصلى عليهم في الجامع الأموي إلى نحو المائة و خمسين، و أكثر من ذلك، خارجا عمن لا يؤتى بهم إليه من أرجاء البلد و ممن يموت من أهل الذمة، و أما حواضر البلد و ما حولها فأمر كثير، يقال إنه بلغ ألفا في كثير من الأيام، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و صلى بعد الظهر من هذا اليوم بالجامع المظفري على الشيخ إبراهيم بن المحب، الّذي كان يحدث في الجامع الأموي و جامع تنكز، و كان مجلسه كثير الجمع لصلاحه و حسن ما كان يؤديه من المواعيد النافعة، و دفن بسفح قاسيون، و كانت جنازته حافلة (رحمه اللَّه). و عملت المواعيد بالجامع الأموي ليلة سبع و عشرين من رجب، يقولون ليلة المعراج، و لم يجتمع الناس فيه على العادة لكثرة من مات منهم، و لشغل كثير من الناس بمرضاهم و موتاهم.
و اتفق في هذه الليلة أنه تأخر جماعة من الناس في الخيم ظاهر البلد، فجاءوا ليدخلوا من باب النصر على عادتهم في ذلك، فكأنه اجتمع خلق منهم بين البابين فهلك كثير منهم كنحو ما يهلك الناس في هذا الحين على الجنائز، فانزعج نائب السلطنة فخرج فوجدهم فأمر بجمعهم، فلما أصبح الناس أمر بتسميرهم ثم عفا عنهم و ضرب متولى البلد ضربا شديدا، و سمر نائبة في الليل، و سمر البواب بباب النصر، و أمر أن لا يمشى أحد بعد عشاء الآخرة، ثم تسمح لهم في ذلك.
و استهل شهر شعبان و الفناء في الناس كثير جدا، و ربما أنتنت البلد، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و توفى الشيخ شمس الدين بن الصلاح مدرس القيمرية الكبيرة بالمطرزيين، يوم الخميس ثالث عشر شعبان و في يوم الجمعة رابع عشر شعبان صلى بعد الصلاة على جماعة كثيرة، منهم القاضي عماد الدين ابن الشيرازي، محتسب البلد، و كان من أكابر رؤساء دمشق، و ولى نظر الجامع مدة، و في بعض الأوقات نظر الأوقاف، و جمع له في وقت بينهما و دفن بسفح قاسيون.
و في العشر الأخير من شهر شوال توفى الأمير قرابغا دويدار النائب، بداره غربي حكر السماق، و قد أنشأ له إلى جانبها تربة و مسجدا، و هو الّذي أنشأ السويقة المجددة عند داره، و عمل لها بابين شرقيا و غربيا، و ضمنت بقيمة كثيرة بسبب جاهه، ثم بارت و هجرت لقلة الحاجة إليها، و حضر الأمراء و القضاة و الأكابر جنازته، و دفن بتربته هناك، و ترك أموالا جزيلة و حواصل كثيرة جدا، أخذه مخدومه نائب السلطنة.