البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٧ - ثم دخلت سنة ثمان عشرة و سبعمائة
و في يوم الخميس منتصف ربيع الأول اجتمع قاضى القضاة شمس الدين بن مسلم بالشيخ الامام العلامة تقى الدين بن تيمية و أشار عليه في ترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق، فقبل الشيخ نصيحته و أجاب إلى ما أشار به، رعاية لخاطره و خواطر الجماعة المفتين، ثم ورد البريد في مستهل جمادى الأولى بكتاب من السلطان فيه منع الشيخ تقى الدين من الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق و انعقد بذلك مجلس، و انفصل الحال على ما رسم به السلطان، و نودي به في البلد، و كان قبل قدوم المرسوم قد اجتمع بالقاضي ابن مسلم الحنبلي جماعة من المفتين الكبار، و قالوا له أن ينصح الشيخ في ترك الإفتاء في مسألة الطلاق، فعلم الشيخ نصيحته، و أنه إنما قصد بذلك ترك ثوران فتنة و شر. و في عاشره جاء البريد إلى صفت بمسك سيف الدين طغاى، و تولية بدر الدين القرماني نيابة حمص.
و في هذا الشهر كان مقتل رشيد الدولة فضل اللَّه بن أبى الخير بن عالى الهمدانيّ، كان أصله يهوديا عطارا، فتقدم بالطب و شملته السعادة حتى كان عند خربندا الجزء الّذي لا يتجزأ، و علت رتبته و كلمته، و تولى مناصب الوزراء، و حصل له من الأموال و الأملاك و السعادة ما لا يحد و لا يوصف و كان قد أظهر الإسلام، و كانت لديه فضائل جمة، و قد فسر القرآن و صنف كتبا كثيرة، و كان له أولاد و ثروة عظيمة، و بلغ الثمانين من العمر، و كانت له يد جيدة يوم الرحبة، فإنه صانع عن المسلمين و أتقن القضية في رجوع ملك التتار عن البلاد الشامية، سنة ثنتى عشرة كما تقدم، و كان يناصح الإسلام، و لكن قد نال منه خلق كثير من الناس و اتهموه على الدين و تكلموا في تفسيره هذا، و لا شك أنه كان مخبطا مخلطا، و ليس لديه علم نافع، و لا عمل صالح. و لما تولى أبو سعيد المملكة عزله و بقي مدة خاملا ثم استدعاه جوبان و قال له أنت سقيت السلطان خربندا سما؟ فقال له: أنا كنت في غاية الحقارة و الذلة، فصرت في أيامه و أيام أبيه في غاية العظمة و العزة، فكيف أعمد إلى سقيه و الحالة هذه؟ فأحضرت الأطباء فذكروا صورة مرض خربندا و صفته، و أن الرشيد أشار باسهاله لما عنده في باطنه من الحواصل، فانطلق باطنه نحوا من سبعين مجلسا، فمات بذلك على وجه أنه أخطأ في الطب. فقال: فأنت إذا قتلته، فقتله و ولده إبراهيم و احتيط على حواصله و أمواله، فبلغت شيئا كثيرا، و قطعت أعضاؤه و حمل كل جزء منها إلى بلدة، و نودي على رأسه بتبريز هذا رأس اليهودي الّذي بدل كلام اللَّه لعنه اللَّه، ثم أحرقت جثته، و كان القائم عليه على شاه.
و في هذا الشهر- أعنى جمادى الأولى- تولى قضاء المالكية بمصر تقى الدين الاخنائى عوضا عن زين الدين بن مخلوف توفى عن أربع و ثمانين سنة، و له في الحكم ثلاث و ثلاثون سنة. و في يوم الخميس عاشر رجب لبس صلاح الدين يوسف بن الملك الأوحد خلعة الامرة بمرسوم السلطان،