البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠١ - ثم دخلت سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة
عليه، و ذكر أن نائب غزة قصده ليقبض عليه بمرسوم السلطان و رد عليه من الكرك، فهرب الأحمدي بسبب ذلك، و لما وصل الخبر إلى دمشق و ليس بها نائب انزعج الأمراء لذلك، و اجتمعوا بدار السعادة، و ضربوا في ذلك مشورة ثم جردوا إلى ناحية بعلبكّ أميرا ليصدوه عن الذهاب إلى البرية. فلما أصبح الصباح من يوم الإثنين جاء الخبر بأنه في نواحي الكسوة، و لا مانع من خلاصه، فركبوا كلهم و نادى المنادي: من تأخر من الجند عن هذا النفير شنق، و استوثقوا في الخروج و قصدوا ناحية الكسوة و بعثوا الرسل إليه، فذكر اعتذارا في خروجه و تخلص منهم، و ذهب يوم ذلك، و رجعوا و قد كانوا ملبسين في يوم حار، و ليس معهم من الأزواد ما يكفيهم سوى يومهم ذلك، فلما كانت ليلة الثلاثاء ركب الأمراء في طلبه من ناحية ثنية العقاب، فرجعوا في اليوم الثاني و هو في صحبتهم، و نزل في القصور التي بناها تنكز (رحمه اللَّه)، في طريق داريا، فأقام بها، و أجروا عليه مرتبا كاملا من الشعير و الغنم و ما يحتاج إليه مثله، و معه مماليكه و خدمه، فلما كان يوم الثلاثاء سادس المحرم ورد كتاب من جهة السلطان فقرئ على الأمراء بدار السعادة يتضمن إكرامه و احترامه و الصفح عنه لتقدم خدمه على السلطان الملك الناصر و ابنه الملك المنصور. و لما كان يوم الأربعاء سابع المحرم [جاء كتاب] إلى الأمير ركن الدين بيبرس نائب الغيبة ابن الحاجب ألمش بالقبض على الأحمدي، فركب الجيش ملبسين يوم الخميس و أوكبوا بسوق الخيل و راسلوه- و قد ركب في مماليكه بالعدد و أظهر الامتناع- فكان جوابه أن لا أسمع و لا أطيع إلا لمن هو ملك الديار المصرية، فأما من هو مقيم بالكرك و يصدر عنه ما يقال عنه من الأفاعيل التي قد سارت بها الركبان، فلا. فلما بلغ الأمراء هذا توقفوا في أمره و سكنوا و رجعوا إلى منازلهم، و رجع هو إلى قصره.
ثم دخلت سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة
استهلت هذه السنة المباركة و سلطان المسلمين الملك الناصر ناصر الدين محمد بن الملك المنصور قلاوون، و هو مقيم بالكرك، قد حاز الحواصل السلطانية من قلعة الجبل إلى قلعة الكرك، و نائبة الديار المصرية الأمير سيف الدين آقسنقر السلارى، الّذي كان نائبا بغزة، و قضاة الديار المصرية هم المذكورون في السنة الماضية، سوى القاضي الحنفي. و أما دمشق فليس لها نائب إلى حينئذ غير أن الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب كان استنابه الفخرى بدمشق نائب غيبته، فهو الّذي يسد الأمور مع الحاجب ألمش، و تمر المهمندار، و الأمير سيف الدين الملقب بحلاوة، والى البر، و الأمير ناصر الدين ابن ركباس متولى البلد، هؤلاء الذين يسدون الأشغال و الأمور السلطانية، و القضاة هم الذين ذكرناهم في السنة الخالية، و خطيب البلد تاج الدين عبد الرحيم بن القاضي جلال الدين القزويني، و كاتب السر القاضي شهاب الدين بن فضل اللَّه.