البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٠ - الحجار ابن الشحنة
شيخنا الصالح العابد الناسك الخاشع
شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن الشيخ الصالح العابد شرف الدين أبى الحسن بن حسين بن غيلان البعلبكي الحنبلي، إمام مسجد السلالين بدار البطيخ العتيقة، سمع الحديث و أسمعه، و كان يقرئ القرآن طرفي النهار، و عليه ختمت القرآن في سنة أحد عشر و سبعمائة، و كان من الصالحين الكبار، و العباد الأخيار، توفى يوم السبت سادس صفر و صلى عليه بالجامع و دفن بباب الصغير، و كانت جنازته حافلة.
و في هذا الشهر- أعنى صفر- كانت وفاة والى القاهرة القديدار و له آثار غريبة و مشهورة.
بها درآص الأمير الكبير
رأس ميمنة الشام، سيف الدين بها درآص المنصوري أكبر أمراء دمشق، و ممن طال عمره في الحشمة و الثروة، و هو ممن اجتمعت فيه الآية الكريمة زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ الآية، و قد كان محببا إلى العامة، و له بر و صدقة و إحسان، توفى ليلة الثلاثاء و دفن بتربته خارج باب الجابية، و هي مشهورة أيضا.
الحجار ابن الشحنة
الشيخ الكبير المسند المعمر الرحلة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبى طالب بن نعمة بن حسن ابن على بن بيان الدير مقرنى ثم الصالحي الحجار المعروف بابن الشحنة، سمع البخاري على الزبيدي سنة ثلاثين و ستمائة بقاسيون، و إنما ظهر سماعه سنة ست و سبعمائة ففرح بذلك المحدثون و أكثروا السماع عليه، فقرئ البخاري عليه نحوا من ستين مرة و غيره، و سمعنا عليه بدار الحديث الاشرفية في أيام الشتويات نحوا من خمسمائة جزء بالإجازات و السماع، و سماعه من الزبيدي و ابن اللتي، و له إجازة من بغداد فيها مائة و ثمانية و ثلاثون شيخا من العوالي المسندين، و قد مكث مدة مقدم الحجارين نحوا من خمس و عشرين سنة، ثم كان يخيط في آخر عمره، و استقرت عليه جامكيته لما اشتغل باسماع الحديث، و قد سمع عليه السلطان الملك الناصر، و خلع عليه و ألبسه الخلعة بيده، و سمع عليه من أهل الديار المصرية و الشامية أمم لا يحصون كثرة، و انتفع الناس بذلك، و كان شيخا حسنا بهي المنظر سليم الصدر ممتعا بحواسه و قواه، فإنه عاش مائة سنة محققا، و زاد عليها، لأنه سمع البخاري من الزبيدي في سنة ثلاثين و ستمائة و أسمعه هو في سنة ثلاثين و سبعمائة في تاسع صفر بجامع دمشق، و سمعنا عليه يومئذ و للَّه الحمد، و يقال إنه أدرك موت المعظم عيسى بن العادل لما توفى، و الناس يسمعهم يقولون مات المعظم، و قد كانت وفاة المعظم في سنة أربع و عشرين و ستمائة، و توفى الحجار يوم الاثنين خامس عشرين صفر من هذه السنة، و صلى عليه بالمظفرى يوم الثلاثاء و دفن بتربة له عند زاوية الدومى، بجوار جامع الافرم. و كانت جنازته حافلة (رحمه اللَّه).