البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٥ - أعجوبة أخرى غريبة
الكتاب على هذا المنوال لعظيم جدا، فاجتمعنا في اليوم الثاني و هو مستهل شعبان في المكان المذكور، و حضر قاضى القضاة الشافعيّ و جماعة من الفضلاء، و اجتمع العامة محدقين فقرأ على العادة غير أنه لم يطول كأول يوم، و سقط عليه بعض الأحاديث، و صحف و لحن في بعض الألفاظ، ثم جاء القاضيان الحنفي و المالكي فقرأ بحضرتهما أيضا بعض الشيء، هذا و العامة محتفون به متعجبون من أمره، و منهم من يتقرب بتقبيل يديه، و فرح بكتابتي له بالسماع على الاجازة، و قال: أنا ما خرجت من بلادي إلا إلى القصد إليك، و أن تجيزنى، و ذكرك في بلادنا مشهور، ثم رجع إلى مصر ليلة الجمعة و قد كارمه القضاة و الأعيان بشيء من الدراهم يقارب الألف.
عزل الأمير على عن نيابة دمشق المحروسة
في يوم الأحد حادي عشر شعبان ورد البريد من الديار المصرية و على يديه مرسوم شريف بعزل الأمير على عن نيابة دمشق، فأحضر الأمراء إلى دار السعادة و قرئ المرسوم الشريف عليهم بحضوره، و خلع عليه خلعة وردت مع البريد، و رسم له بقرية دومة و أخرى في بلاد طرابلس على سبيل الراتب، و أن يكون في أي البلاد شاء من دمشق أو القدس أو الحجاز، فانتقل من يومه من دار السعادة و بباقي أصحابه و مماليكه، و استقر نزوله في دار الخليلي بالقصاعين التي جددها و زاد فيها دويداره يلبغا، و هي دار هائلة، و راح الناس للتأسف عليه و الحزن له انتهى.
سفر قاضى القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن السبكى الشافعيّ مطلوبا إلى الديار المصرية معزولا عن قضاء دمشق
ورد البريد بطلبه من آخر نهار الأحد بعد العصر الحادي عشر من شعبان سنة ثلاث و ستين و سبعمائة، فأرسل إليه حاجب الحجاب قماري و هو نائب الغيبة أن يسافر من يومه، فاستنظرهم إلى الغد فأمهل، و قد ورد الخبر بولاية أخيه الشيخ بهاء الدين بن السبكى بقضاء الشام عوضا عن أخيه تاج الدين، و أرسل يستنيب ابن أختهما قاضى القضاة تاج الدين في التأهب و السير، و جاء الناس إليه ليودعوه و يستوحشون له، و ركب من بستانه بعد العصر يوم الاثنين ثانى عشر شعبان، متوجها على البريد إلى الديار المصرية، و بين يديه قضاة القضاة و الأعيان، حتى قاضى القضاة بهاء الدين أبو البقاء السبكى، حتى ردهم قريبا من الجسورة و منهم من جاوزها و اللَّه المسئول في حسن الخاتمة في الدنيا و الآخرة، انتهى و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم بالصواب.
أعجوبة أخرى غريبة
لما كان يوم الثلاثاء العشرين من شعبان دعيت إلى بستان الشيخ العلامة كمال الدين بن الشريشى شيخ الشافعية و حضر جماعة من الأعيان منهم الشيخ العلامة شمس الدين بن الموصلي