البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٠ - الشيخ الصدر بن الوكيل
ليلة الثلاثاء سابع عشر ذي القعدة، و دفن بباب الصغير (رحمه اللَّه).
الشيخ الصالح الزاهد المقري
أبو عبد اللَّه محمد بن الخطيب سلامة بن سالم بن الحسن بن ينبوب الماليني، أحد الصلحاء المشهورين بجامع دمشق، سمع الحديث و أقرأ الناس نحوا من خمسين سنة، و كان يفصح الأولاد في الحروف الصعبة، و كان مبتلى في فمه يحمل طاسة تحت فمه من كثرة ما يسيل منه من الريال و غيره و قد جاوز الثمانين بأربع سنين، توفى بالمدرسة الصارمية يوم الأحد ثانى عشر ذي القعدة، و دفن بباب الصغير بالقرب من القندلاوى، و حضر جنازته خلق كثير جدا نحوا من عشرة آلاف (رحمه اللَّه تعالى).
الشيخ الصدر بن الوكيل
هو العلامة أبو عبد اللَّه محمد بن الشيخ الامام مفتى المسلمين زين الدين عمر بن مكي بن عبد الصمد المعروف بابن المرحل و بابن الوكيل شيخ الشافعية في زمانه، و أشهرهم في وقته بالفضيلة و كثرة الاشتغال و المطالعة و التحصيل و الاقتنان بالعلوم العديدة، و قد أجاد معرفة المذهب و الأصلين، و لم يكن بالنحو بذاك القوى، و كان يقع منه اللحن الكثير، مع أنه قرأ منه المفصل للزمخشري، و كانت له محفوظات كثيرة، ولد في شوال سنة خمس و ستين و ستمائة، و سمع الحديث على المشايخ، من ذلك مسند أحمد على ابن علان، و الكتب الستة، و قرئ عليه قطعة كبيرة من صحيح مسلم بدار الحديث عن الأمير الإربلي و العامري و المزي، و كان يتكلم على الحديث بكلام مجموع من علوم كثيرة، من الطب و الفلسفة و علم الكلام، و ليس ذلك بعلم، و علوم الأوائل، و كان يكثر من ذلك، و كان يقول الشعر جيدا، و له ديوان مجموع مشتمل على أشياء لطيفة، و كان له أصحاب يحسدونه و يحبونه، و آخرون يحسدونه و يبغضونه، و كانوا يتكلمون فيه بأشياء و يرمونه بالعظائم، و قد كان مسرفا على نفسه قد ألقى جلباب الحياء فيما يتعاطاه من القاذورات و الفواحش، و كان ينصب العداوة للشيخ ابن تيمية و يناظره في كثير من المحافل و المجالس، و كان يعترف للشيخ تقى الدين بالعلوم الباهرة و يثنى عليه، و لكنه كان يجاحف عن مذهبه و ناحيته و هواه، و ينافح عن طائفته.
و قد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يثنى عليه و على علومه و فضائله و يشهد له بالإسلام إذا قيل له عن أفعاله و أعماله القبيحة، و كان يقول: كان مخلطا على نفسه متبعا مراد الشيطان منه، يميل إلى الشهوة و المحاضرة، و لم يكن كما يقول فيه بعض أصحابه ممن يحسده و يتكلم فيه هذا أو ما هو في معناه. و قد درس بعدة مدارس بمصر و الشام، و درس بدمشق بالشاميتين و العذراوية و دار الحديث الأشرفية و ولى في وقت الخطابة أياما يسيرة كما تقدم، ثم قام الخلق عليه و أخرجوها من يده، و لم يرق منبرها، ثم خالط نائب السلطنة الأفرم فجرت له أمور لا يمكن ذكرها و لا يحسبن من القبائح