البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨ - وقعة قازان
إلا حجر واحد فلا تسلمهم ذلك إن استطعت، و كان في ذلك مصلحة عظيمة لأهل الشام فان اللَّه حفظ لهم هذا الحصن و المعقل الّذي جعله اللَّه حرزا لأهل الشام التي لا تزال دار إيمان و سنة، حتى ينزل بها عيسى ابن مريم. و في يوم دخول قبجق إلى دمشق دخل السلطان و نائبة سلار إلى مصر كما جاءت البطاقة بذلك إلى القلعة، و دقت البشائر بها فقوى جأش الناس بعض قوة، و لكن الأمر كما يقال:
كيف السبيل إلى سعاد و دونها* * * قلل الجبال و دونهن حتوف
الرجل حافية و ما لي مركب* * * و الكف صفر و الطريق مخوف
و في يوم الجمعة رابع عشر ربيع الآخر خطب لقازان على منبر دمشق بحضور المغول بالمقصورة و دعي له على السدة بعد الصلاة و قرئ عليها مرسوم بنيابة قبجق على الشام، و ذهب إليه الأعيان فهنئوه بذلك، فأظهر الكرامة و أنه في تعب عظيم مع التتر، و نزل شيخ المشايخ محمود بن على الشيباني بالمدرسة العادلية الكبيرة. و في يوم السبت النصف من ربيع الآخر شرعت التتار و صاحب سيس في نهب الصالحية و مسجد الاسدية و مسجد خاتون و دار الحديث الاشرفية بها و احترق جامع التوبة بالعقيبية، و كان هذا من جهة الكرج و الأرمن من النصارى الذين هم مع التتار قبحهم اللَّه. و سبوا من أهلها خلقا كثيرا و جما غفيرا، و جاء أكثر الناس إلى رباط الحنابلة فاحتاطت به التتار فحماه منهم شيخ الشيوخ المذكور، و أعطى في الساكن مال له صورة ثم أقحموا عليه فسبوا منه خلقا كثيرا من بنات المشايخ و أولادهم ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و لما نكب دير الحنابلة في ثانى جمادى الاولى قتلوا خلقا من الرجال و أسروا من النساء كثيرا، و نال قاضى القضاة تقى الدين أذى كثير، و يقال إنهم قتلوا من أهل الصالحية قريبا من أربعمائة، و أسروا نحوا من أربعة آلاف أسير، و نهبت كتب كثيرة من الرباط الناصري و الضيائية، و خزانة ابن البزوري، و كانت تباع و هي مكتوب عليها الوقفية، و فعلوا بالمزة مثل ما فعلوا بالصالحية، و كذلك بداريا و بغيرها، و تحصن الناس منهم في الجامع بداريا ففتحوه قسرا و قتلوا منهم خلقا و سبوا نساءهم و أولادهم، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و خرج الشيخ ابن تيمية في جماعة من أصحابه يوم الخميس العشرين من ربيع الآخر إلى ملك التتر و عاد بعد يومين و لم يتفق اجتماعه به، حجبه عنه الوزير سعد الدين و الرشيد مشير الدولة المسلماني ابن يهودي، و التزما له بقضاء الشغل، و ذكرا له أن التتر لم يحصل لكثير منهم شيء إلى الآن، و لا بد لهم من شيء، و اشتهر بالبلد أن التتر يريدون دخول دمشق فانزعج الناس لذلك و خافوا خوفا شديدا، و أرادوا الخروج منها و الهرب على وجوههم، و أين الفرار و لات حين مناص، و قد أخذ من البلد فوق العشرة آلاف فرس، ثم فرضت أموال كثيرة على البلد موزعة على أهل الأسواق