البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٨ - سلطنة الملك المنصور صلاح الدين محمد
سلطنة الملك المنصور صلاح الدين محمد
ابن الملك المظفر حاجي بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون بن عبد اللَّه الصالحي و زوال دولة عمه الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون.
لما كثر طمعه و تزايد شرهه، و ساءت سيرته إلى رعيته، و ضيق عليهم في معايشهم و أكسابهم، و بنى البنايات الجبارة التي لا يحتاج إلى كثير منها، و استحوذ على كثير من أملاك بيت المال و أمواله، و اشترى منه قرايا كثيرة و مدنا أيضا و رساتيق، و شق ذلك على الناس جدا، و لم يتجاسر أحد من القضاة و لا الولاة و لا العلماء و لا الصلحاء على الإنكار عليه، و لا الهجوم عليه، و لا النصيحة له بما هو المصلحة له و للمسلمين، انتقم اللَّه منه فسلط عليه جنده و قلب قلوب رعيته من الخاصة و العامة عليه، لما قطع من أرزاقهم و معاليمهم و جوامكهم و أخبازهم، و أضاف ذلك جميعه إلى خاصته، فقلت الأمراء و الاجناء و المقدمون و الكتاب و الموقعون، و مس الناس الضرر و تعدى على جوامكهم و أولادهم و من يلوذ بهم، فعند ذلك قدر اللَّه تعالى هلاكه على يد أحد خواصه و هو الأمير الكبير سيف الدين يلبغا الخاصكى. و ذلك أنه أراد السلطان مسكه فاعتد لذلك، و ركب السلطان لمسكه فركب هو في جيش، و تلاقيا في ظاهر القاهرة حيث كانوا نزولا في الوطاقات، فهزم السلطان بعد كل حساب، و قد قتل من الفريقين طائفة، و لجأ السلطان إلى قلعة الجبل، كلا و لا وزر، و لن ينجى حذر من قدر، فبات الجيش بكماله محدقا بالقلعة، فهم بالهرب في الليل على هجن كان قد اعتدها ليهرب إلى الكرك، فلما برز مسك و اعتقل و دخل به إلى دار يلبغا الخاصكى المذكور، و كان آخر العهد به، و ذلك في يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى من هذه السنة، و صارت الدولة و المشورة متناهية إلى الأمير سيف الدين يلبغا الخاصكى، فاتفقت الآراء و اجتمعت الكلمة و انعقدت البيعة للملك المنصور صلاح الدين محمد بن المظفر حاجي، و خطب الخطباء و ضربت السكة، و سارت البريدية للبيعة باسمه الشريف، هذا و هو ابن ثنتى عشرة، و قيل أربع عشرة، و من الناس من قال ست عشرة، و رسم في عود الأمور إلى ما كانت عليه في أيام والده الناصر محمد بن قلاوون، و أن يبطل جميع ما كان أخذه الملك الناصر حسن، و أن تعاد المرتبات و الجوامك التي كان قطعها، و أمر بإحضار طار و طاشتمر القاسمي من سجن اسكندرية إلى بين يديه ليكونا أتابكا، و جاء الخبر إلى دمشق صحبة الأمير سيف الدين بزلار شاد التربخاناة أحد أمراء الطبلخانات بمصر صبيحة يوم الأربعاء سادس عشر الشهر، فضربت البشائر بالقلعة و طبلخانات الأمراء على أبوابهم، و زين البلد بكماله، و أخذت البيعة له صبيحة يومه بدار السعادة و خلع عن نائب السلطنة تشريف هائل، و فرح أكثر الأمراء و الجند و العامة و للَّه الأمر، و له الحكم. قال تعالى قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ