البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٨ - ثم دخلت سنة عشر و سبعمائة
انتزعها من ابن الوكيل بسبب إقامته بمصر، و كان قد وفد إلى المظفر فألزمه رواتب لانتمائه إلى المنبجى، ثم عاد بتوقيع سلطاني إلى مدرستيه، فأقام بهما شهرا أو سبعة و عشرين يوما، ثم استعاداهما منه و رجعتا إلى المدرسين الأولين: الأمين سالم، و الصدر الكردي، و رجع الخطيب جلال الدين إلى الخطابة في سابع عشر المحرم، و عزل عنها البدر بن الحداد، و باشر الصاحب شمس الدين نظر الجامع و الأسرى و الأوقاف قاطبة يوم الاثنين، ثم خلع عليه و أضيف إليه شرف الدين بن صصريّ في نظر الجامع، و كان ناظره مستقلا به قبلهما. و في يوم عاشوراء قدم استدمر إلى دمشق متوليا نيابة حماة، و سافر إليها بعد سبعة أيام.
و في المحرم باشر بدر الدين بن الحداد نظر المارستان عوضا عن شمس الدين بن الخطيريّ و وقعت منازعة بين صدر الدين بن المرحل و بين الصدر سليمان الكردي بسبب العذراوية، و كتبوا إلى الوكيل محضرا يتضمن من القبائح و الفضائح و الكفريات على ابن الوكيل، فبادر ابن الوكيل إلى القاضي تقى الدين سليمان الحنبلي، فحكم بإسلامه و حقن دمه، و حكم بإسقاط التعزير عنه و الحكم بعدالته و استحقاقه إلى المناصب. و كانت هذه هفوة من الحنبلي، و لكن خرجت عنه المدرستان العذراوية لسليمان الكردي، و الشامية الجوانية للأمين سالم، و لم يبق معه سوى دار الحديث الاشرفية. و في ليلة الاثنين السابع من صفر وصل النجم محمد بن عثمان البصراوي من مصر متوليا الوزارة بالشام، و معه توقيع بالحسبة لأخيه فخر الدين سليمان، فباشرا المنصبين بالجامع، و نزلا بدرب سفون الّذي يقال له درب ابن أبى الهيجاء، ثم انتقل الوزير إلى دار الأعسر عند باب البريد، و استمر نظر الخزانة لعز الدين أحمد بن القلانسي أخى الشيخ جلال الدين.
و في مستهل ربيع الأول باشر القاضي جمال الدين الزرعى قضاء القضاة بمصر عوضا عن ابن جماعة، و كان قد أخذ منه قبل ذلك في ذي الحجة مشيخة الشيوخ، و أعيدت إلى الكريم الايكى، و أخذت منه الخطابة أيضا. و جاء البريد إلى الشام بطلب القاضي شمس الدين بن الحريري لقضاء الديار المصرية، فسار في العشرين من ربيع الأول و خرج معه جماعة لتوديعه، فلما قدم على السلطان أكرمه و عظمه و ولاه قضاء الحنفية و تدريس الناصرية و الصالحية، و جامع الحاكم، و عزل عن ذلك القاضي شمس الدين السروجي فمكث أياما ثم مات.
و في نصف هذا الشهر مسك من دمشق سبعة أمراء و من القاهرة أربعة عشر أميرا. و في ربيع الآخر اهتم السلطان بطلب الأمير سيف الدين سلار فحضر هو بنفسه إليه فعاتبه ثم استخلص منه أمواله و حواصله في مدة شهر، ثم قتل بعد ذلك فوجد معه من الأموال و الحيوان و الاملاك و الاسلحة و المماليك و البغال و الحمير أيضا و الرباع شيئا كثيرا، و أما الجواهر و الذهب و الفضة فشيء لا يحد