البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٠ - ثم دخلت سنة سبع و أربعين و سبعمائة
طلب إلى الوطاق فامتنع من الحضور، و أغلق باب القلعة، فانزعج الناس و اختبط البلد، و تقلص وجود الخير، و حصنت القلعة و دعوا للكامل بكرة و عشية على العادة، و أرجف العامة بالجيش على عادتهم في كثرة فصولهم، فحصل لبعضهم أذية. فلما كان يوم الاثنين ثامن الشهر قدم نائب حماة إلى دمشق مطيعا لنائب السلطنة في تجمل و أبهة، ثم أجريت له عادة أمثاله.
و في هذا اليوم وقعت بطاقة بقدوم الأمير سيف الدين بيغرا حاجب الحجاب بالديار المصرية لأجل البيعة للسلطان الملك المظفر، فدقت البشائر بالوطاق، و أمر بتزيين البلد، فزين الناس و ليسوا منشرحين، و أكثرهم يظن أن هذا مكر و خديعة، و أن التجاريد المصرية واصلة قريبا. و امتنع نائب القلعة من دق البشائر و بالغ في تحصين القلعة، و غلق بابها، فلا يفتح إلا الخوخة البرانية و الجوانية، و هذا الصنيع هو الّذي يشوش خواطر العامة، يقولون: لو كان ثم شيء له صحة كان نائب القلعة يطلع على هذا قبل الوطاق. فلما كان يوم الثلاثاء بعد الزوال قدم الأمير سيف الدين بيغرا إلى الوطاق، و قد تلقوه و عظموه، و معه تقليد النيابة من المظفر إلى الأمير سيف الدين يلبغا نائب السلطنة، و كتاب إلى الأمراء بالسلام. ففرحوا بذلك و بايعوه و انضمت الكلمة و للَّه الحمد. و ركب بيغرا إلى القلعة فترجل و سل سيفه و دخل إلى نائب القلعة فبايعه سريعا و دقت البشائر في القلعة بعد المغرب، حين بلغه الخبر، و طابت أنفس الناس ثم أصبحت القلعة في الزينة و زادت الزينة في البلد و فرح الناس، فلما كان يوم الخميس حادي عشر الشهر دخل نائب السلطنة من الوطاق إلى البلد و الأطلاب بين يديه في تجمل و طبلخانات على عادة العرض، و قد خرج أهل البلد إلى الفرجة، و خرج أهل الذمة بالتوراة، و أشعلت الشموع، و كان يوما مشهودا.
و قد صلى في شهر رمضان من هذه السنة بالشامية البرانية صبي عمره ست سنين، و قد رأيته و امتحنته فإذا هو يجيد الحفظ و الأداء، و هذا من أغرب ما يكون. و في العشر الأول من هذا الشهر فرغ من بناء الحمامين الّذي بناهما نائب السلطنة بالقرب من الثابتية في خان السلطان العتيق، و ما حولها من الرباع و القرب و غير ذلك. و في يوم الأحد حادي عشره اجتمع نائب السلطنة و القضاة الأربعة و وكيل بيت المال و الدولة عند تل المستقين، من أجل أن نائب السلطنة قد عزم على بناء هذه البقعة جامعا بقدر جامع تنكز، فاشتوروا هنالك، ثم انفصل الحال على أن يعمل، و اللَّه ولى التوفيق.
و في يوم الخميس ثالث ذي القعدة صلى على الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن تيمية، أخو الشيخ تقى الدين (رحمهما اللَّه تعالى). و في يوم السبت ثانى عشره توفى الشيخ على القطنانى بقطنا، و كان قد اشتهر أمره في هذه السنين، و اتبعه جماعة من الفلاحين و الشباب المنتمين إلى طريقة أحمد ابن الرفاعيّ، و عظم أمره و سار ذكره، و قصده الأكابر للزيارة مرات، و كان يقيم السماعات على عادة