البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٩ - ثم دخلت سنة سبع و أربعين و سبعمائة
سبب ذلك أن نائب السلطنة بلغه أن نائب صغد قد ركب إليه ليقبض عليه، فانزعج لذلك و قال:
لا أموت إلا على ظهر أفراسى، لا على فراشي، و خرج الجند و الأمراء خوفا من أن يفوتهم بالفرار، فنزلوا يمنة و يسرة، فلم يذهب من تلك المنزلة بل استمر بها يعمل النيابة و يجتمع بالأمراء جماعة و فرادى، و يستميلهم إلى ما هو فيه من الرأى، و هو خلع الملك الكامل شعبان لأنه يكثر من مسك الأمراء بغير سبب، و يفعل أفعالا لا تليق بمثله، و ذكروا أمورا كثيرة، و أن يولوا أخاه أمير حاجي بن الناصر لحسن شكالته و جميل فعله، و لم يزل يفتلهم في الذروة و الغارب حتى أجابوه إلى ذلك، و وافقوه عليه، و سلموا له ما يدعيه، و تابعوا على ما أشار إليه و بايعوه، ثم شرع في البعث إلى نواب البلاد يستميلهم إلى ما مالأ عليه الدمشقيون و كثير من المصريين، و شرع أيضا في التصرف في الأمور العامة الكلية، و أخرج بعض من كان الملك الكامل اعتقله بالقلعة المنصورة، و رد إليه إقطاعه بعد ما بعث الملك الكامل إلى من أقلعه [١] منشورة، و عزل و ولى و أخذ و أعطى، و طلب التجار يوم الأربعاء ثامن عشره ليباع عليهم غلال الحواصل السلطانية فيدفعوا أثمانها في الحال، ثم يذهبوا فيتسلموها من البلاد البرانية، و حضر عنده القضاة على العادة و الأمراء و السادة، و هذا كله و هو مخيم بالمكان المذكور، لا يحصره بلد و لا يحويه سور.
و في يوم الخميس رابع جمادى الآخرة خرجت تجريدة نحو عشرة طليعة لتلقى من يقدم من الديار المصرية من الأمراء و غيرهم، ببقاء الأمر على ما كان عليه، فلم يصدقهم النائب، و ربما عاقب بعضهم، ثم رفعهم إلى القلعة، و أهل دمشق ما بين مصدق باختلاف المصريين و ما بين قائل السلطان الكامل قائم الصورة مستمر على ما كان عليه، و التجاريد المصرية واصلة قريبا، و لا بد من وقوع خبطة عظيمة. و تشوشت أذهان الناس و أحوالهم بسبب ذلك، و اللَّه المسئول أن يحسن العاقبة.
و حاصل القضية أن العامة ما بين تصديق و تكذيب، و نائب السلطنة و خواصه من كبار الأمراء على ثقة من أنفسهم، و أن الأمراء على خلف شديد في الديار المصرية بين السلطان الكامل شعبان و بين أخيه أمير حاجي، و الجمهور مع أخيه أمير حاجي، ثم جاءت الأخبار إلى النائب بأن التجاريد المصرية خرجت تقصد الشام و من فيه من الجند لتوطد الأمر، ثم إنه تراجعت رءوس الأمراء في الليل إلى مصر و اجتمعوا إلى إخوانهم ممن هو ممالئ لهم على السلطان، فاجتمعوا و دعوا إلى سلطنة أمير حاجي و ضربت الطبلخانات و صارت باقي النفوس متجاهرة على نية تأييده، و نابذوا السلطان الكامل، و عدوا عليه مساويه، و قتل بعض الأمراء، و فر الكامل و أنصاره فاحتيط عليه. و خرج أرغون العلائى زوج ابنته و استظهر أيضا أمير حاجي فأجلسوه على السرير و لقبوه بالملك المظفر، و جاءت الأخبار إلى النائب بذلك، فضربت البشائر عنده، و بعث إلى نائب القلعة فامتنع من ضربها، و كان قد
[١] كذا بالأصول التي بأيدينا.