البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣ - ذكر مقتل المنصور لاجين و عود الملك إلى الناصر محمد بن قلاوون
ذكر مقتل المنصور لاجين و عود الملك إلى الناصر محمد بن قلاوون
لما كان يوم السبت التاسع عشر ربيع الآخر وصل جماعة من البريدية و أخبروا بقتل السلطان الملك المنصور لاجين و نائبة سيف الدين منكوتمر، و أن ذلك كان ليلة الجمعة حادي عشره، على يد الأمير سيف الدين كرجى الاشرفى و من وافقه من الأمراء، و ذلك بحضور القاضي حسام الدين الحنفي و هو جالس في خدمته يتحدثان، و قيل كانا يلعبان بالشطرنج، فلم يشعرا إلا و قد دخلوا عليهم فبادروا إلى السلطان بسرعة جهرة ليلة الجمعة فقتلوه و قتل نائبة صبرا صبيحة يوم الجمعة و ألقى على مزبلة، و اتفق الأمراء على إعادة ابن أستاذهم الملك الناصر محمد بن قلاوون، فأرسلوا وراءه، و كان بالكرك و نادوا له بالقاهرة، و خطب له على المنابر قبل قدومه، و جاءت الكتب إلى نائب الشام قبجق فوجدوه قد فرّ خوفا من غائلة لاجين، فسارت إليه البريدية فلم يدركوه إلا و قد لحق بالمغول عند رأس العين، من أعمال ماردين، و تفارط الحال و لا قوة إلا باللَّه.
و كان الّذي شمر العزم وراءهم و ساق ليردهم الأمير سيف الدين بلبان، و قام بأعباء البلد نائب القلعة علم الدين أرجواش، و الأمير سيف الدين جاعان، و احتاطوا على ما كان له اختصاص بتلك الدولة، و كان منهم جمال الدين يوسف الرومي محتسب البلد، و ناظر المارستان، ثم أطلق بعد مدة و أعيد إلى وظائفه، و احتيط أيضا على سيف الدين جاعان و حسام الدين لاجين والى البر، و أدخلا القلعة، و قتل بمصر الأمير سيف الدين طغجى، و كان قد ناب عن الناصر أربعة أيام، و كرجى الّذي تولى قتل لاجين فقتلا و ألقيا على المزابل، و جعل الناس من العامة و غيرهم يتأملون صورة طغجى، و كان جميل الصورة، ثم بعد الدلال و المال و الملك وارتهم هناك قبور، فدفن السلطان لاجين و عند رجليه نائبة منكوتمر، و دفن الباقون في مضاجعهم هنالك.
و جاءت البشائر بدخول الملك الناصر إلى مصر يوم السبت رابع جمادى الاولى، و كان يوما مشهودا، و دقت البشائر و دخل القضاة و أكابر الدولة إلى القلعة، و بويع بحضرة علم الدين أرجواش، و خطب له على المنابر بدمشق و غيرها بحضرة أكابر العلماء و القضاة و الأمراء، و جاء الخبر بأنه قد ركب و شق القاهرة و عليه خلعة الخليفة، و الجيش معه مشاة، فضربت البشائر أيضا. و جاءت مراسيمه فقرئت على السدة و فيها الرّفق بالرعايا و الأمر بالإحسان إليهم، فدعوا له، و قدم الأمير جمال الدين آقوش الافرم نائبا على دمشق، فدخلها يوم الأربعاء قبل العصر ثانى عشرين جمادى الأولى، فنزل بدار السعادة على العادة، و فرح الناس بقدومه، و أشعلوا له الشموع، و كذلك يوم الجمعة أشعلوا له لما جاء إلى صلاة الجمعة بالمقصورة. و بعد أيام أفرج عن جاعان و لاجين والى البر، و عادا إلى ما كانا عليه، و استقر الأمير حسام الدين الاستادار أتابكا للعساكر المصرية، و الأمير