البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢١ - ثم دخلت سنة ثمان و أربعين و سبعمائة
أمثاله، و له أصحاب يظهرون إشارة باطلة، و أحوالا مفتعلة، و هذا مما كان ينقم عليه بسببه، فإنه إن لم يكن يعلم بحالهم فجاهل، و إن كان يقرهم على ذلك فهو مثلهم، و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.
و في أواخر هذا الشهر- أعنى ذي الحجة من العيد و ما بعده- اهتم ملك الأمراء في بناء الجامع الّذي بناه تحت القلعة و كان تل المستقين، و هدم ما كان هناك من أبنية، و عملت العجل و أخذت أحجار كثيرة من أرجاء البلد، و أكثر ما أخذت الأحجار من الرحبة التي للمصريين، من تحت المئذنة التي في رأس عقبة الكتاب، و تيسر منها أحجار كثيرة، و الأحجار أيضا من جبل قاسيون و حمل على الجمال و غيرها، و كان سلخ هذه السنة- أعنى سنة سبع و أربعين و سبعمائة- قد بلغت غرارة القمح إلى مائتين فما دونها، و ربما بيعت بأكثر من ذلك، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
ثم دخلت سنة ثمان و أربعين و سبعمائة
استهلت هذه السنة و سلطان البلاد المصرية و الشامية و الحرمين و غير ذلك الملك المظفر أمير حاجي ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون، و نائبة بالديار المصرية الأمير سيف الدين أرقطيه، و قضاة مصر هم الذين كانوا في الماضية بأعيانهم، و نائبة بالشام المحروسة سيف الدين يلبغا الناصري، و قضاة الشام هم المذكورون في التي قبلها بأعيانهم، غير أن القاضي عماد الدين الحنفي نزل لولده قاضى القضاة نجم الدين، فباشر في حياة أبيه، و حاجب الحجاب فخر الدين إياس.
و استهلت هذه السنة و نائب السلطنة في همة عالية في عمارة الجامع الّذي قد شرع في بنائه غربي سوق الخيل، بالمكان الّذي كان يعرف بالتل المستقين.
و في ثالث المحرم توفى قاضى القضاة شرف الدين محمد بن أبى بكر الهمدانيّ المالكي، و صلى عليه بالجامع، و دفن بتربته بميدان الحصا، و تأسف الناس عليه لرياسته و ديانته و أخلاقه و إحسانه إلى كثير من الناس (رحمه اللَّه).
و في يوم الأحد الرابع و العشرين من المحرم وصل تقليد قضاء المالكية للقاضي جمال الدين المسلاتي الّذي كان نائبا للقاضي شرف الدين قبله، و خلع عليه من آخر النهار. و في شهر ربيع الأول أخذوا لبناء الجامع المجدد بسوق الخيل، أعمدة كثيرة من البلد، فظاهر البلد يعلقون ما فوقه من البناء ثم يأخذونه و يقيمون بدله دعامة و أخذوا من درب الصيقل و أخذوا العمود الّذي كان بسوق العلبيين الّذي في تلك الدخلة على رأسه مثل الكرة فيها حديد، و قد ذكر الحافظ ابن عساكر أنه كان فيه طلسم لعسر بول الحيوان إذا داروا بالدابة ينحل أراقيها، فلما كان يوم الأحد السابع و العشرين من ربيع الأول من هذه السنة قلعوه من موضعه بعد ما كان له في هذا الموضع نحوا من أربعة آلاف سنة و اللَّه أعلم. و قد رأيته في هذا اليوم و هو ممدود في سوق العلبيين على الأخشاب