البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٠ - ذكر وفاة شيخ الإسلام أبى العباس تقى الدين أحمد بن تيمية (قدس اللَّه روحه)
أجران و إذا اجتهد فأخطأ فله أجر» فهو مأجور. و قال الامام مالك بن أنس: كل أحد يؤخذ من قوله و يترك إلا صاحب هذا القبر.
و في سادس عشرين ذي القعدة نقل تنكز حواصله و أمواله من دار الذهب داخل باب الفراديس إلى الدار التي أنشأها، و تعرف بدار فلوس، فسميت دار الذهب، و عزل خزنداره ناصر الدين محمد ابن عيسى، و ولى مكانه مملوكه أباجى. و في ثانى عشرين القعدة جاء إلى مدينة عجلون سيل عظيم من أول النهار إلى وقت العصر، فهدم من جامعها و أسواقها و رباعها و دورها شيئا كثيرا، و غرق سبعة نفر، و هلك للناس شيء كثير من الأموال و الغلات و الأمتعة و المواشي ما يقارب قيمته ألف ألف درهم و اللَّه أعلم، و إنا للَّه و إنا إليه راجعون.
و في يوم الأحد ثامن عشر ذي الحجة ألزم القاضي الشافعيّ الشيخ علاء الدين القونوي جماعة الشهود بسائر المراكز أن يرسلوا في عمائمهم العذبات ليتميزوا بذلك عن عوام الناس، ففعلوا ذلك أياما ثم تضرروا من ذلك فأرخص لهم في تركها، و منهم من استمر بها. و في يوم الثلاثاء عشرين ذي الحجة أفرج عن الشيخ الامام العالم العلامة أبى عبد اللَّه شمس الدين ابن قيم الجوزية، و كان معتقلا بالقلعة أيضا، من بعد اعتقال الشيخ تقى الدين بأيام من شعبان سنة ست و عشرين إلى هذا الحين، و جاء الخبر بأن السلطان أفرج عن الجاولي و الأمير فرج بن قراسنقر، و لاجين المنصوري، و أحضروا بعد العيد بين يديه، و خلع عليهم. و فيه وصل الخبر بموت الأمير الكبير جوبان نائب السلطان أبى سعيد على تلك البلاد، و وفاة قراسنقر المنصوري أيضا كلاهما في ذي القعدة من هذه السنة، و جوبان هذا هو الّذي ساق القناة الواصلة إلى المسجد الحرام، و قد غرم عليها أموالا جزيلة كثيرة، و له تربة بالمدينة النبويّة، و مدرسة مشهورة، و له آثار حسنة، و كان جيد الإسلام له همة عالية و قد دبر الممالك في أيام أبى سعيد مدة طويلة على السداد، ثم أراد أبو سعيد مسكه فتخلص من ذلك كما ذكرنا، ثم إن أبا سعيد قتل ابنه خواجا رمشق في السنة الماضية ففر ابنه الآخر تمرتاش هاربا إلى سلطان مصر، فآواه شهرا ثم ترددت الرسل بين الملكين في قتله فقتله صاحب مصر فيما قيل و أرسل برأسه إليه، ثم توفى أبوه بعده بقليل، و اللَّه أعلم بالسرائر.
و أما قراسنقر المنصوري فهو من جملة كبار أمراء مصر و الشام، و كان من جملة من قتل الأشرف خليل بن المنصور كما تقدم، ثم ولى نيابة مصر مدة، ثم صار إلى نيابة دمشق ثم إلى نيابة حلب، ثم فر إلى التتر هو و الافرم و الزركاشى فآواهم ملك التتار خربندا و أكرمهم و أقطعهم بلادا كثيرة، و تزوج قراسنقر بنت هولاكو ثم كانت وفاته بمراغة بلده التي كان حاكما بها في هذه السنة، و له نحو تسعين سنة و اللَّه أعلم.