البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٨ - ذكر وفاة شيخ الإسلام أبى العباس تقى الدين أحمد بن تيمية (قدس اللَّه روحه)
حنبل كانت هائلة عظيمة، بسبب كثرة أهل بلده و اجتماعهم لذلك، و تعظيمهم له، و أن الدولة كانت تحبه، و الشيخ تقى الدين ابن تيمية (رحمه اللَّه) توفى ببلدة دمشق، و أهلها لا يعشرون أهل بغداد حينئذ كثرة، و لكنهم اجتمعوا لجنازته اجتماعا لو جمعهم سلطان قاهر، و ديوان حاصر لما بلغوا هذه الكثرة التي اجتمعوها في جنازته، و انتهوا إليها. هذا مع أن الرجل مات بالقلعة محبوسا من جهة السلطان، و كثير من الفقهاء و الفقراء يذكرون عنه للناس أشياء كثيرة، مما ينفر منها طباع أهل الأديان، فضلا عن أهل الإسلام. و هذه كانت جنازته.
قال: و قد اتفق موته في سحر ليلة الاثنين المذكور، فذكر ذلك مؤذن القلعة على المنارة بها و تكلم به الحراس على الابرجة، فما أصبح الناس إلا و قد تسامعوا بهذا الخطب العظيم و الأمر الجسيم، فبادر الناس على الفور إلى الاجتماع حول القلعة من كل مكان أمكنهم المجيء منه، حتى من الغوطة و المرج، و لم يطبخ أهل الأسواق شيئا، و لا فتحوا كثيرا من الدكاكين التي من شأنها أن تفتح أوائل النهار على العادة، و كان نائب السلطنة تنكز قد ذهب يتصيد في بعض الأمكنة، فحارت الدولة ما ذا يصنعون، و جاء الصاحب شمس الدين غبريال نائب القلعة فعزاه فيه، و جلس عنده، و فتح باب القلعة لمن يدخل من الخواص و الاصحاب و الأحباب، فاجتمع عند الشيخ في قاعته خلق من أخصاء أصحابه من الدولة و غيرهم من أهل البلد و الصالحية، فجلسوا عنده يبكون و يثنون على مثل ليلى يقتل المرء نفسه و كنت فيمن حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبى الحجاج المزي (رحمه اللَّه)، و كشفت عن وجه الشيخ و نظرت إليه و قبلته، و على رأسه عمامة بعذب مغروزة و قد علاه الشيب أكثر مما فارقناه. و أخبر الحاضرين أخوه زين الدين عبد الرحمن أنه قرأ هو و الشيخ منذ دخل القلعة ثمانين ختمة و شرعا في الحادية و الثمانين، فانتهينا فيها إلى آخر اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ فشرع عند ذلك الشيخان الصالحان الخيران عبد اللَّه بن المحب و عبد اللَّه الزرعى الضرير- و كان الشيخ (رحمه اللَّه) يحب قراءتهما- فابتدءا من أول سورة الرحمن حتى ختموا القرآن و أنا حاضر أسمع و أرى.
ثم شرعوا في غسل الشيخ و خرجت إلى مسجد هناك و لم يدعوا عنده إلا من ساعد في غسله، منهم شيخنا الحافظ المزي و جماعة من كبار الصالحين الأخيار، أهل العلم و الايمان، فما فرغ منه حتى امتلأت القلعة و ضج الناس بالبكاء و الثناء و الدعاء و الترحم، ثم ساروا به إلى الجامع فسلكوا طريق العماديّة على العادلية الكبيرة، ثم عطفوا على ثلث الناطفانيين، و ذلك أن سويقة باب البريد كانت قد هدمت لتصلح، و دخلوا بالجنازة إلى الجامع الأموي، و الخلائق فيه بين يدي الجنازة و خلفها و عن يمينها و شمالها ما لا يحصى عدتهم إلا اللَّه تعالى، فصرخ صارخ و صاح صائح هكذا