البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٧ - ذكر وفاة شيخ الإسلام أبى العباس تقى الدين أحمد بن تيمية (قدس اللَّه روحه)
ابن عساكر و الشيخ جمال الدين البغدادي و، النجيب بن المقداد، و ابن أبى الخير، و ابن علان و ابن أبى بكر اليهودي و الكمال عبد الرحيم و الفخر على و ابن شيبان و الشرف بن القواس، و زينب بنت مكي، و خلق كثير سمع منهم الحديث، و قرأ بنفسه الكثير و طلب الحديث و كتب الطباق و الإثبات و لازم السماع بنفسه مدة سنين، و قل أن سمع شيئا إلا حفظه، ثم اشتغل بالعلوم، و كان ذكيا كثير المحفوظ فصار إماما في التفسير و ما يتعلق به عارفا بالفقه، فيقال إنه كان أعرف بفقه المذاهب من أهلها الذين كانوا في زمانه و غيره، و كان عالما باختلاف العلماء، عالما في الأصول و الفروع و النحو و اللغة، و غير ذلك من العلوم النقلية و العقلية، و ما قطع في مجلس و لا تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفن فنه، و رآه عارفا به متقنا له، و أما الحديث فكان حامل رايته حافظا له مميزا بين صحيحه و سقيمه، عارفا برجاله متضلعا من ذلك، و له تصانيف كثيرة و تعاليق مفيدة في الأصول و الفروع، كمل منها جملة و بيضت و كتبت عنه و قرئت عليه أو بعضها، و جملة كبيرة لم يكملها، و جملة كملها و لم تبيض إلى الآن. و أثنى عليه و على علومه و فضائله جماعة من علماء عصره، مثل القاضي الخوبى، و ابن دقيق العيد، و ابن النحاس، و القاضي الحنفي قاضى قضاة مصر ابن الحريري و ابن الزملكانى و غيرهم، و وجدت بخط ابن الزملكانى أنه قال: اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها، و أن له اليد الطولى في حسن التصنيف و جودة العبارة و الترتيب و التقسيم و التدين، و كتب على تصنيف له هذه الأبيات:
ما ذا يقول الواصفون له* * * و صفاته جلت عن الحصر
هو حجة للَّه قاهرة* * * هو بيننا أعجوبة الدهر
هو آية في الخلق ظاهرة* * * أنوارها أربت على الفجر
و هذا الثناء عليه، و كان عمره يومئذ نحو الثلاثين سنة، و كان بيني و بينه مودة و صحبة من الصغر، و سماع الحديث و الطلب من نحو سنة، و له فضائل كثيرة، و أسماء مصنفاته و سيرته و ما جرى بينه و بين الفقهاء و الدولة و حبسه مرات و أحواله لا يحتمل ذكر جميعها هذا الموضع، و هذا الكتاب.
و لما مات كنت غائبا عن دمشق بطريق الحجاز، ثم بلغنا خبر موته بعد وفاته بأكثر من خمسين يوما لما وصلنا إلى تبوك، و حصل التأسف لفقده (رحمه اللَّه تعالى). هذا لفظه في هذا الموضع من تاريخه.
ثم ذكر الشيخ علم الدين بعد إيراد هذه الترجمة جنازة أبى بكر بن أبى داود و عظمها، و جنازة الامام أحمد ببغداد و شهرتها، و قال الامام أبو عثمان الصابوني: سمعت أبا عبد الرحمن السيوفي يقول:
حضرت جنازة أبى الفتح القواس الزاهد مع الشيخ أبى الحسن الدارقطنيّ فلما بلغ إلى ذلك الجمع العظيم أقبل علينا و قال سمعت أبا سهل بن زياد القطان يقول سمعت عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل يقول سمعت أبى يقولى: قولوا لأهل البدع بيننا و بينكم الجنائز، قال و لا شك أن جنازة أحمد بن