البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٢ - كائنة غريبة جدا
و يذهب للصلاة فاعترضه في باطنه مغص عظيم، ظن أنه قولنج، و ما كان إلا طاعون، فلم يقدر على حضور الصلاة، فلما فرغنا من الصلاة أخبرت بأنه منقطع، فذهبت إليه فدخلت عليه فإذا هو يرتعد رعدة شديدة من قوة الألم الّذي هو فيه، فسألته عن حاله فجعل يكرر الحمد للَّه، ثم أخبرنى بما حصل له من المرض الشديد، و صلى الظهر بنفسه، و دخل إلى الطهارة و توضأ على البركة، و هو في قوة الوجع ثم اتصل به هذا الحال إلى الغد من يوم السبت، فلما كان وقت الظهر لم أكن حاضره إذ ذاك، لكن أخبرتنا بنته زينب زوجتي أنه لما أذن الظهر تغير ذهنه قليلا، فقالت: يا أبة أذن الظهر، فذكر اللَّه و قال: أريد أن أصلى فتيمم و صلى ثم اضطجع فجعل يقرأ آية الكرسي حتى جعل لا يفيض بها لسانه ثم قبضت روحه بين الصلاتين، (رحمه اللَّه) يوم السبت ثانى عشر صفر، فلم يمكن تجهيزه تلك الليلة، فلما كان من الغد يوم الأحد ثالث عشر صفر صبيحة ذلك اليوم، غسل و كفن و صلى عليه بالجامع الأموي، و حضر القضاة و الأعيان و خلائق لا يحصون كثرة، و خرج بجنازته من باب النصر، و خرج نائب السلطنة الأمير علاء الدين طنبغا و معه ديوان السلطان، و الصاحب و كاتب السر و غيرهم من الأمراء، فصلوا عليه خارج باب النصر، أمهم عليه القاضي تقى الدين السبكى الشافعيّ، و هو الّذي صلى عليه بالجامع الأموي، ثم ذهب به إلى مقابر الصوفية فدفن هناك إلى جانب زوجته المرأة الصالحة الحافظة لكتاب اللَّه، عائشة بنت إبراهيم بن صديق، غربي قبر الشيخ تقى الدين بن تيمية (رحمهم اللَّه) أجمعين.
كائنة غريبة جدا
قدم يوم الأربعاء الثلاثين من صفر أمير من الديار المصرية و معه البيعة للملك الأشرف علاء الدين كجك بن الملك الناصر، و ذلك بعد أن عزل أخيه المنصور، لما صدر عنه من الأفعال التي ذكر أنه تعاطاها من شرب المسكر و غشيان المنكرات، و تعاطى ما لا يليق به، و معاشرة الخاصكية من المردان و غيرهم، فتمالأ على خلعه كبار الأمراء لما رأوا الأمر تفاقم إلى الفساد العريض فأحضروا الخليفة الحاكم بأمر اللَّه أبى الربيع سليمان فأثبت بين يديه ما نسب إلى الملك المنصور المذكور من الأمور فحينئذ خلعه و خلعه الأمراء الكبار و غيرهم، و استبدلوا مكانه أخاه هذا المذكور، و سيروه إذ ذاك إلى قوص مضيقا عليه و معه إخوة له ثلاثة، و قيل أكثر، و أجلسوا الملك الأشرف هذا على السرير، و ناب له الأمير سيف الدين قوصون الناصري، و استمرت الأمور على السداد و جاءت إلى الشام فبايعه الأمراء يوم الأربعاء المذكور، و ضربت البشائر عشية الخميس مستهل ربيع الأول و خطب له بدمشق يوم الجمعة بحضرة نائب السلطنة و القضاة و الأمراء.
و في يوم الأربعاء سابع عشر ربيع الأول حضر بدار الحديث الاشرفية قاضى القضاة تقى الدين السبكى عوضا عن شيخنا الحافظ جمال الدين المزي، و مشيخة دار الحديث النورية عوضا عن