البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٤ - استيلاء الفرنج لعنهم اللَّه على مدينة الاسكندرية
استيلاء الفرنج لعنهم اللَّه على مدينة الاسكندرية
و في العشر الأخير من شهر اللَّه المحرم احتيط على الفرنج بمدينة دمشق و أودعوا في الحبوس في القلعة المنصورة، و اشتهر أن سبب ذلك أن مدينة الاسكندرية محاصرة بعدة شواين، و ذكر أن صاحب قبرص معهم، و أن الجيش المصري صمدوا إلى حراسة مدينة الاسكندرية حرسها اللَّه تعالى و صانها و حماها، و سيأتي تفصيل أمرها في الشهر الآتي، فإنه وضح لنا فيه، و مكث القوم بعد الاسكندرية بأيام فيما بلغنا، بعد ذلك حاصرها أمير من التتار يقال له ماميه، و استعان بطائفة من الفرنج ففتحوها قسرا، و قتلوا من أهلها خلقا و غنموا شيئا كثيرا و استقرت عليها يد ماميه ملكا عليها.
و في يوم الجمعة سلخ هذا الشهر توفى الشيخ برهان الدين إبراهيم بن الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية ببستانه بالمزة، و نقل إلى عند والده بمقابر باب الصغير، فصلى عليه بعد صلاة العصر بجامع جراح، و حضر جنازته القضاة و الأعيان و خلق من التجار و العامة، و كانت جنازته حافلة، و قد بلغ من العمر ثمانيا و أربعين سنة، و كان بارعا فاضلا في النحو و الفقه و فنون أخر على طريقة والده (رحمهما اللَّه تعالى)، و كان مدرسا بالصدرية و التدمرية، و له تصدير بالجامع، و خطابة بجامع ابن صلحان، و ترك مالا جزيلا يقارب المائة ألف درهم. انتهى.
ثم دخل شهر صفر و أوله الجمعة، أخبرنى بعض علماء السير أنه اجتمع في هذا اليوم- يوم الجمعة مستهل هذا الشهر- الكواكب السبعة سوى المريخ في برج العقرب، و لم يتفق مثل هذا من سنين متطاولة، فأما المريخ فإنه كان قد سبق إلى برج القوس فيه. و وردت الأخبار بما وقع من الأمر الفظيع بمدينة الاسكندرية من الفرنج لعنهم اللَّه، و ذلك أنهم وصلوا إليها في يوم الأربعاء الثاني و العشرين من شهر اللَّه المحرم، فلم يجدوا بها نائبا و لا جيشا، و لا حافظا للبحر و لا ناصرا، فدخلوها يوم الجمعة بكرة النهار بعد ما حرقوا أبوابا كبيرة منها، و عاثوا في أهلها فسادا، يقتلون الرجال و يأخذون الأموال و يأسرون النساء و الأطفال، فالحكم للَّه العلى الكبير المتعال. و أقاموا بها يوم الجمعة و السبت و الأحد و الاثنين و الثلاثاء، فلما كان صبيحة يوم الأربعاء قدم الشاليش المصري، فأقلعت الفرنج لعنهم اللَّه عنها، و قد أسروا خلقا كثيرا يقاومون الأربعة آلاف، و أخذوا من الأموال ذهبا و حريرا و بهارا و غير ذلك ما لا يحد و لا يوصف، و قدم السلطان و الأمير الكبير يلبغا ظهر يومئذ، و قد تفارط الحال و تحولت الغنائم كلها إلى الشوائن بالبحر، فسمع للأسارى من العويل و البكاء و الشكوى و الجأر إلى اللَّه و الاستغاثة به و بالمسلمين، ما قطع الأكباد، و ذرفت له العيون و أصم الأسماع، فانا للَّه و إنا إليه راجعون و لما بلغت الأخبار إلى أهل دمشق شق عليهم ذلك جدا، و ذكر ذلك الخطيب يوم الجمعة على المنبر يتباكى [الناس] كثيرا، فانا للَّه و إنا إليه راجعون، و جاء المرسوم الشريف من الديار المصرية إلى