البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٢ - ولاية قاضى القضاة بهاء الدين أبى البقاء السبكى الشافعيّ
فتقبل رسالته، و له قبول عند الناس، و فيه بر و صدقة و إحسان إلى المحاويج، و بيده مال جيد يتجر له فيه تعلل مدة طويلة ثم كانت وفاته في هذا اليوم فصلى عليه الظهر بالجامع، ثم حمل إلى سفح قاسيون (رحمه اللَّه).
و في صبيحة يوم الثلاثاء السابع و العشرين من شعبان قدم الأمير سيف الدين بيدمر الّذي كان نائب الشام فنزل بداره عند مئذنة فيروز، و ذهب الناس للسلام عليه بعد ما سلم على نائب السلطنة بدار السعادة، و قد رسم له بطبلخانتين و تقدمة ألف و ولاية الولاة من غزة إلى أقصى بلاد الشام، و أكرمه ملك الأمراء إكراما زائدا، و فرحت العامة بذلك فرحا شديدا بعوده إلى الولاية. و ختمت البخاريات بالجامع الأموي و غيره في عدة أماكن من ذلك ستة مواعيد تقرأ على الشيخ عماد الدين ابن كثير في اليوم، أولها بمسجد ابن هشام بكرة قبل طلوع الشمس، ثم تحت النسر، ثم بالمدرسة النورية، و بعد الظهر بجامع تنكز، ثم بالمدرسة العزية، ثم بالكوشك لأم الزوجة الست أسماء بنت الوزير ابن السلعوس، إلى أذان العصر، ثم من بعد العصر بدار ملك الأمراء أمير على بمحلة القضاعين إلى قريب الغروب، و يقرأ صحيح مسلم بمحراب الحنابلة داخل باب الزيارة بعد قبة النسر و قبل النورية، و اللَّه المسئول و هو المعين الميسر المسهل. و قد قرئ في هذه الهيئة في عدة أماكن أخر من دور الأمراء و غيرهم، و لم يعهد مثل هذا في السنين الماضية، فللّه الحمد و المنة.
و في يوم الثلاثاء عاشر شوال توفى الشيخ نور الدين على بن أبى الهيجاء الكركي الشوبكى، ثم الدمشقيّ الشافعيّ، كان معنا في المقري و الكتاب، و ختمت أنا و هو في سنة إحدى عشرة، و نشأ في صيانة و عفاف، و قرأ على الشيخ بدر الدين بن سيحان للسبع، و لم يكمل عليه ختمة، و اشتغل في المنهاج للنواوى فقرأ كثيرا منه أو أكثره، و كان ينقل منه و يستحضر، و كان خفيف الروح تحبه الناس لذلك و يرغبون في عشرته لذلك (رحمه اللَّه)، و كان يستحضر المتشابه في القرآن استحضارا حسنا متقنا كثير التلاوة له، حسن الصلاة يقوم الليل، و قرأ على صحيح البخاري بمشهد ابن هشام عدة سنين، و مهر فيه، و كان صوته جهوريا فصيح العبارة، ثم ولى مشيخة الحلبية بالجامع و قرأ في عدة كراسي بالحائط الشمالي، و كان مقبولا عند الخاصة و العامة، و كان يداوم على قيام العشر الأخير في محراب الصحابة مع عدة قراء يبيتون فيه و يحيون الليل، و لما كان في هذه السنة أحيا ليلة العيد وحده بالمحراب المذكور ثم مرض خمسة أيام، ثم مات بعد الظهر يوم الثلاثاء عاشر شوال بدرب العميد، و صلى عليه العصر بالجامع الأموي، و دفن بمقابر الباب الصغير عند والده في تربة لهم، و كانت جنازته حافلة و تأسف الناس عليه، (رحمه اللَّه) و بل بالرحمة ثراه، و قد قارب خمسا و ستين سنة، و ترك بنتا سباعية اسمها عائشة، و قد أقرأها شيئا من القرآن لي تبارك، و حفظها الأربعين النواوية جبرها ربها و رحم أباها آمين.