البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٠ - قتل الرافضيّ الخبيث
القضاة شرف الدين أحمد بن أقضى القضاة بن الحسين المزي الحنفي، و كانت وفاته ليلة الجمعة المذكورة بعد مرض قريب من شهر، و قد جاوز الأربعين بثلاث من السنين، ولى قضاء قضاة الحنفية، و خطب بجامع يلبغا، و أحضر مشيخة النفيسية، و درس بأماكن من مدارس الحنفية، و هو أول من خطب بالجامع المستجد داخل باب كيسان بحضرة نائب السلطنة.
و في صفر كانت وفاة الشيخ جمال الدين عمر بن القاضي عبد الحي بن إدريس الحنبلي محتسب بغداد، و قاضى الحنابلة بها، فتعصبت عليه الروافض حتى ضرب بين يدي الوزارة ضربا مبرحا، كان سبب موته سريعا (رحمه اللَّه)، و كان من القائمين بالحق الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر، من أكبر المنكرين على الروافض و غيرهم من أهل البدع (رحمه اللَّه)، و بل بالرحمة ثراه.
و في يوم الأربعاء تاسع صفر حضر مشيخة النفيسية الشيخ شمس الدين بن سند، و حضر عنده قاضى القضاة تاج الدين و جماعة من الأعيان، و أورد حديث عبادة بن الصامت «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» أسنده عن قاضى القضاة المشار إليه.
و جاء البريد من الديار المصرية بطلب قاضى القضاة تاج الدين إلى هناك، فسير أهله قبله على الجمال، و خرجوا يوم الجمعة حادي عشر ربيع الأول جماعة من أهل بيتهم لزيارة أهاليهم هناك، فأقام هو بعدهم إلى أن قدم نائب السلطنة من الرحبة و ركب على البريد. و في يوم الاثنين خامس عشر جمادى الآخرة رجع قاضى القضاة تاج الدين السبكى من الديار المصرية على البريد و تلقاه الناس إلى أثناء الطريق، و احتفلوا للسلام عليه و تهنئته بالسلامة انتهى. و اللَّه أعلم.
قتل الرافضيّ الخبيث
و في يوم الخميس سابع عشره أول النهار وجد رجل بالجامع الأموي اسمه محمود بن إبراهيم الشيرازي، و هو يسب الشيخين و يصرح بلعنتهما، فرفع إلى القاضي المالكي قاضى القضاة جمال الدين المسلاتي فاستتابه عن ذلك و أحضر الضراب فأول ضربة قال لا إله إلا اللَّه على ولى اللَّه، و لما ضرب الثانية لعن أبا بكر و عمر، فالتهمه العامة فأوسعوه ضربا مبرحا بحيث كاد يهلك، فجعل القاضي يستكفهم عنه فلم يستطع ذلك، فجعل الرافضيّ يسب و يلعن الصحابة، و قال: كانوا على الضلال، فعند ذلك حمل إلى نائب السلطنة و شهد عليه قوله بأنهم كانوا على الضلالة، فعند ذلك حكم عليه القاضي بإراقة دمه، فأخذ إلى ظاهر البلد فضربت عنقه و أحرقته العامة قبحه اللَّه، و كان ممن يقرأ بمدرسة أبى عمر، ثم ظهر عليه الرفض فسجنه الحنبلي أربعين يوما، فلم ينفع ذلك، و ما زال يصرح في كل موطن يأمر فيه بالسب حتى كان يومه هذا أظهر مذهبه في الجامع، و كان سبب قتله قبحه اللَّه كما قبح من كان قبله، و قتل بقتله في سنة خمس و خمسين.