البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩١ - منام غريب جدا
من البرد الشديد، بحيث إنه قد قيل إنه مات منهم بسبب ذلك نحو المائة، فانا للَّه و إنا إليه راجعون، و لكن أخبروا برخص كثير و أمن، و بموت نفسة أخى عجلان صاحب مكة، و قد استبشر بموته أهل تلك البلاد لبغيه على أخيه عجلان العادل فيهم انتهى و اللَّه أعلم.
منام غريب جدا
و رأيت- يعنى المصنف- في ليلة الاثنين الثاني و العشرين من المحرم سنة ثلاث و ستين و سبعمائة الشيخ محيي الدين النواوى (رحمه اللَّه) فقلت له: يا سيدي الشيخ لم لا أدخلت في شرحك المهذب شيئا من مصنفات ابن حزم؟ فقال ما معناه: إنه لا يحبه، فقلت له: أنت معذور فيه فإنه جمع بين طرفي النقيضين في أصوله و فروعه، أما هو في الفروع فظاهري جامد يابس، و في الأصول تول مائع قرمطة القرامطة و هرس الهرائسة، و رفعت بها صوتي حتى سمعت و أنا نائم، ثم أشرت له إلى أرض خضراء تشبه النخيل بل هي أردأ شكلا منه، لا ينتفع بها في استغلال و لا رعى، فقلت له: هذه أرض ابن حزم التي زرعها [قال:] انظر هل ترى فيها شجرا مثمرا أو شيئا ينتفع به، فقلت إنما تصلح للجلوس عليها في ضوء القمر. فهذا حاصل ما رأيته، و وقع في خلدي أن ابن حزم كان حاضرنا عند ما أشرت للشيخ محيي الدين إلى الأرض المنسوبة لابن حزم، و هو ساكت لا يتكلم.
و في يوم الخميس الثالث و العشرين من صفر خلع على القاضي عماد الدين بن الشيرجي بعود الحسبة إليه بسبب ضعف علاء الدين الأنصاري عن القيام بها لشغله بالمرض المدنف، و هنأه الناس على العادة. و في يوم السبت السادس و العشرين من صفر توفى الشيخ علاء الدين الأنصاري المذكور بالمدرسة الأمينية، و صلى عليه الظهر بالجامع الأموي، و دفن بمقابر باب الصغير خلف محراب جامع جراح، في تربة هنالك، و قد جاوز الأربعين سنة، و درس في الأمينية و في الحسبة مرتين و ترك أولادا صغارا و أموالا جزيلة سامحه اللَّه و رحمه، و ولى المدرسة بعده قاضى القضاة تاج الدين بن السبكى بمرسوم كريم شريف.
و في العشر الأخير من صفر بلغنا وفاة قاضى قضاة المالكية الاخنائى بمصر و تولية أخيه برهان الدين ابن قاضى القضاة علم الدين الاخنائى الشافعيّ أبوه قاضيا مكان أخيه، و قد كان على الحسبة بمصر مشكور السيرة فيها، و أضيف إليه نظر الخزانة كما كان أخوه. و في صبيحة يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول كان ابتداء حضور قاضى القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب ابن قاضى القضاة تقى الدين بن الحسن بن عبد الكافي السبكى الشافعيّ تدريس الأمينية عوضا عن الشيخ علاء الدين المحتسب، بحكم وفاته (رحمه اللَّه) كما ذكرنا، و حضر عنده خلق من العلماء و الأمراء و الفقهاء و العامة، و كان درسا حافلا، أخذ في قوله تعالى أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ