البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٣ - صفة خروج المهدي الضال بأرض جبلة
بالصمصامية التي جددت للمالكية و قد وقف عليها الصاحب شمس الدين غبريال درسا، و درس بها فقهاء، و عين تدريسها لنائب الحكم الفقيه نور الدين على بن عبد البصير المالكي، و حضر عنده القضاة و الأعيان، و ممن حضر عنده الشيخ تقى الدين بن تيمية، و كان يعرفه من اسكندرية، و فيه درس بالدخوارية الشيخ جمال الدين محمد بن الشيخ شهاب الدين أحمد الكحال، و رتب في رياسة الطب عوضا عن أمين الدين سليمان الطبيب، بمرسوم نائب السلطنة تنكز، و اختاره لذلك.
و اتفق أنه في هذا الشهر تجمع جماعة من التجار بماردين و انضاف إليهم خلق من الجفال من الغلا قاصدين بلاد الشام، حتى إذا كانوا بمرحلتين من رأس العين لحقهم ستون فارسا من التتار فمالوا عليهم بالنشاب و قتلوهم عن آخرهم، و لم يبق منهم سوى صبيانهم نحو سبعين صبيا، فقالوا من يقتل هؤلاء؟ فقال واحد منهم: أنا بشرط أن تنفلونى بمال من الغنيمة، فقتلهم كلهم عن آخرهم، و كان جملة من قتل من التجار ستمائة، و من الجفلان ثلاثمائة من المسلمين، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و ردموا بهم خمس صهاريج هناك حتى امتلأت بهم (رحمهم اللَّه)، و لم يسلم من الجميع سوى رجل واحد تركمانيّ، هرب و جاء إلى رأس العين فأخبر الناس بما رأى و شاهد من هذا الأمر الفظيع المؤلم الوجيع، فاجتهد متسلم ديار بكر سوياى في طلب أولئك التتر حتى أهلكهم عن آخرهم، و لم يبق منهم سوى رجلين، لا جمع اللَّه بهم شملا و لا بهم مرحبا و لا أهلا، آمين يا رب العالمين.
صفة خروج المهدي الضال بأرض جبلة
و في هذه السنة خرجت النصيرية عن الطاعة و كان من بينهم رجل سموه محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر اللَّه، و تارة يدعى على بن أبى طالب فاطر السموات و الأرض، تعالى اللَّه عما يقولون علوا كبيرا. و تارة يدعى أنه محمد بن عبد اللَّه صاحب البلاد، و خرج يكفر المسلمين، و أن النصيرية على الحق، و احتوى هذا الرجل على عقول كثير من كبار النصيرية الضلال، و عين لكل إنسان منهم تقدمة ألف، و بلادا كثيرة و نيابات، و حملوا على مدينة جبلة فدخلوها و قتلوا خلقا من أهلها، و خرجوا منها يقولون لا إله إلا علي، و لا حجاب إلا محمد، و لا باب إلا سلمان. و سبوا الشيخين، و صاح أهل البلد وا إسلاماه، وا سلطاناه، وا أميراه، فلم يكن لهم يومئذ ناصر و لا منجد، و جعلوا يبكون و يتضرعون إلى اللَّه عز و جل، فجمع هذا الضال تلك الأموال فقسمها على أصحابه و أتباعه قبحهم اللَّه أجمعين.
و قال لهم لم يبق للمسلمين ذكر و لا دولة، و لو لم يبق معى سوى عشرة نفر لملكنا البلاد كلها. و نادى في تلك البلاد إن المقاسمة بالعشر لا غير ليرغب فيه، و أمر أصحابه بخراب المساجد و اتخاذها خمارات، و كانوا يقولون لمن أسروه من المسلمين: قل لا إله إلا علي، و اسجد لإلهك المهدي، الّذي يحيى و يميت حتى يحقن دمك، و يكتب لك فرمان، و تجهزوا و عملوا أمرا عظيما جدا، فجردت إليهم العساكر