البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٦ - ثم دخلت سنة ثمان عشرة و سبعمائة
الصدر الرئيس شرف الدين محمد بن جمال الدين إبراهيم
ابن شرف الدين عبد الرحمن بن أمين الدين سالم بن الحافظ بهاء الدين الحسن بن هبة اللَّه بن محفوظ بن صصريّ، ذهب إلى الحجاز الشريف، فلما كانوا ببردي اعتراه مرض و لم يزل به حتى مات، توفى بمكة و هو محرم ملب، فشهد الناس جنازته و غبطوه بهذه الموتة، و كانت وفاته يوم الجمعة آخر النهار سابع ذي الحجة و دفن ضحى يوم السبت بمقبرة بباب الحجون (رحمه اللَّه تعالى) و أكرم مثواه.
ثم دخلت سنة ثمان عشرة و سبعمائة
الخليفة و السلطان هما هما، و كذلك النواب و القضاة سوى المالكي بدمشق فإنه العلامة فخر الدين ابن سلامة بعد القاضي جمال الدين الزواوى (رحمه اللَّه). و وصلت الأخبار في المحرم من بلاد الجزيرة و بلاد الشرق سنجار و الموصل و ماردين و تلك النواحي بغلاء عظيم و فناء شديد، و قلة الأمطار، و خوف التتار، و عدم الأقوات و غلاء الأسعار، و قلة النفقات، و زوال النعم، و حلول النقم، بحيث إنهم أكلوا ما وجدوه من الجمادات و الحيوانات و الميتات، و باعوا حتى أولادهم و أهاليهم، فبيع الولد بخمسين درهما و أقل من ذلك، حتى إن كثيرا كانوا لا يشترون من أولاد المسلمين، و كانت المرأة تصرح بأنها نصرانية ليشترى منها ولدها لتنتفع بثمنه و يحصل له من يطعمه فيعيش، و تأمن عليه من الهلاك، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و وقعت أحوال صعبة يطول ذكرها، و تنبو الأسماع عن وصفها، و قد ترحلت منهم فرقة قريب الأربعمائة إلى ناحية مراغة فسقط عليهم ثلج أهلكهم عن آخرهم، و صحبت طائفة منهم فرقة من التتار، فلما انتهوا إلى عقبة صعدها التتار ثم منعوهم أن يصعدوها لئلا يتكلفوا بهم فماتوا عن آخرهم، فلا حول و لا قوة إلا باللَّه العزيز الحكيم.
و في بكرة الاثنين السابع من صفر قدم القاضي كريم الدين عبد الكريم بن العلم هبة اللَّه وكيل الخاص السلطاني بالبلاد جميعها، قدم إلى دمشق فنزل بدار السعادة و أقام بها أربعة أيام و أمر ببناء جامع القبيبات، الّذي يقال له جامع كريم الدين، و راح لزيارة بيت المقدس، و تصدق بصدقات كثيرة وافرة، و شرع ببناء جامع بعد سفره. و في ثانى صفر جاءت ريح شديدة ببلاد طرابلس على ذوق تركمان فأهلكت لهم كثيرا من الأمتعة، و قتلت أميرا منهم يقال له طرالى و زوجته و ابنتيه و ابني ابنيه و جاريته و أحد عشر نفسا، و قتلت جمالا كثيرة و غيرها، و كسرت الأمتعة و الأثاث و كانت ترفع البعير في الهواء مقدار عشرة أرماح ثم تلقيه مقطعا، ثم سقط بعد ذلك مطر شديد و برد عظيم بحيث أتلف زروعا كثيرة في قرى عديدة نحو من أربعة و عشرين قرية، حتى انها لا ترد بدارها. و في صفر أخرج الأمير سيف الدين طغاى الحاصلى إلى نيابة صفت فأقيم بها شهرين ثم مسك، و الصاحب أمين الدين إلى نظر الأوقاف بطرابلس على معلوم وافر. قال الشيخ علم الدين