البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥ - صفة وقعة شقحب
البلد أحد من التتر، فوجد الأمر كما يحب لم يطرقها أحد منهم، و ذلك أن التتار عرجوا من دمشق إلى ناحية العساكر المصرية، و لم يشتغلوا بالبلد، و قد قالوا إن غلبنا فان البلد لنا، و إن غلبنا فلا حاجة لنا به، و نودي بالبلد في تطييب الخواطر، و أن السلطان قد وصل، فاطمأن الناس و سكنت قلوبهم، و أثبت الشهر ليلة الجمعة القاضي تقى الدين الحنبلي، فان السماء كانت مغيمة فعلقت القناديل و صليت التراويح و استبشر الناس بشهر رمضان و بركته، و أصبح الناس يوم الجمعة في هم شديد و خوف أكيد، لأنهم لا يعلمون ما خبر الناس. فبينما هم كذلك إذ جاء الأمير سيف الدين غرلو العادلى فاجتمع بنائب القلعة ثم عاد سريعا إلى العسكر، و لم يدر أحد ما أخبر به، و وقع الناس في الأراجيف و الخوض
صفة وقعة شقحب
أصبح الناس يوم السبت على ما كانوا عليه من الخوف و ضيق الأمر، فرأوا من المآذن سوادا و غبرة من ناحية العسكر و العدو، فغلب على الظنون أن الوقعة في هذا اليوم، فابتهلوا إلى اللَّه عز و جل بالدعاء في المساجد و البلد، و طلع النساء و الصغار على الأسطحة و كشفوا رءوسهم و ضج البلد ضجة عظيمة، و وقع في ذلك الوقت مطر عظيم غزير، ثم سكن الناس، فلما كان بعد الظهر قرئت بطاقة بالجامع تتضمن أن في الساعة الثانية من نهار السبت هذا اجتمعت الجيوش الشامية و المصرية مع السلطان في مرج الصفر، و فيها طلب الدعاء من الناس و الأمر بحفظ القلعة. و التحرز على الأسوار فدعا الناس في المآذن و البلد، و انقضى النهار و كان يوما مزعجا هائلا، و أصبح الناس يوم الأحد يتحدثون بكسر التتر، و خرج الناس إلى ناحية الكسوة فرجعوا و معهم شيء من المكاسب، و معهم رءوس من رءوس التتر، و صارت كسرة التتار تقوى و تتزايد قليلا قليلا حتى اتضحت جملة، و لكن الناس لما عندهم من شدة الخوف و كثرة التتر لا يصدقون، فلما كان بعد الظهر قرئ كتاب السلطان إلى متولى القلعة يخبر فيه باجتماع الجيش ظهر يوم السبت بشقحب و بالكسوة، ثم جاءت بطاقة بعد العصر من نائب السلطان جمال الدين آقوش الأفرم إلى نائب القلعة مضمونها أن الوقعة كانت من العصر يوم السبت إلى الساعة الثانية من يوم الأحد، و أن السيف كان يعمل في رقاب التتر ليلا و نهارا و أنهم هربوا و فروا و اعتصموا بالجبال و التلال، و أنه لم يسلم منهم إلا القليل، فأمسى الناس و قد استقرت خواطرهم و تباشروا لهذا الفتح العظيم و النصر المبارك، و دقت البشائر بالقلعة من أول النهار المذكور، و نودي بعد الظهر بإخراج الجفال من القلعة لأجل نزول السلطان بها، و شرعوا في الخروج.
و في يوم الاثنين رابع الشهر رجع الناس من الكسوة إلى دمشق فبشروا الناس بالنصر. و فيه دخل الشيخ تقى الدين بن تيمية البلد و معه أصحابه من الجهاد، ففرح الناس به و دعوا له و هنئوه بما يسر اللَّه على يديه من الخير، و ذلك أنه ندبه العسكر الشامي أن يسير إلى السلطان يستحثه على