البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٨ - الوقعة بين الأمراء بالديار المصرية
ذلك و أمر كاتب السر أن يكتب مضمون ذلك في مطالعة إلى الديار المصرية، ثم خرجنا على ذلك انتهى و اللَّه أعلم
عودة قاضى القضاة تاج الدين السبكى إلى دمشق المحروسة
في يوم الأربعاء التاسع و العشرين من جمادى الأولى قدم من ناحية الكسوة و قد تلقاه جماعة من الأعيان إلى الصمين و ما فوقها، فلما وصل إلى الكسوة كثر الناس جدا و قاربها قاضى قضاة الحنفية الشيخ جمال الدين بن السراج، فلما أشرف من عقبة شحورا تلقاه خلائق لا يحصون كثرة و أشعلت الشموع حتى مع النساء، و الناس في سرور عظيم، فلما كان قريبا من الجسورة تلقته الخلائق الخليفيين مع الجوامع و المؤذنون يكبرون، و الناس في سرور عظيم، و لما قارب باب النصر وقع مطر عظيم و الناس معه لا تسعهم الطرقات، يدعون له و يفرحون بقدومه، فدخل دار السعادة و سلم على نائب السلطنة، ثم دخل الجامع بعد العصر و معه شموع كثيرة، و الرؤساء أكثر من العامة.
و لما كان يوم الجمعة ثانى شهر جمادى الآخرة ركب قاضى القضاة السبكى إلى دار السعادة و قد استدعى نائب السلطنة بالقاضيين المالكي و الحنبلي، فأصلح بينهم، و خرج من عنده ثلاثتهم يتماشون إلى الجامع، فدخلوا دار الخطابة فاجتمعوا هناك، و ضيفهما الشافعيّ، ثم حضرا خطبته الحافلة البليغة الفصيحة، ثم خرجوا ثلاثتهم من جوا إلى دار المالكي، فاجتمعوا هنالك و ضيفهم المالكي هنالك ما تيسر. و اللَّه الموفق للصواب.
و في أوائل هذا الشهر وردت المراسيم الشريفة السلطانية من الديار المصرية بأن يجعل للأمير من إقطاعه النصف خاصا له، و في النصف الآخر يكون لأجناده، فحصل بهذا رفق عظيم بالجند، و عدل كثير و للَّه الحمد، و أن يتجهز الأجناد و يحرصوا على السبق و الرمي بالنشاب، و أن يكونوا مستعدين متى استنفروا نفروا، فاستعدوا لذلك و تأهبوا لقتال الفرنج، كما قال اللَّه تعالى وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ الآية. و ثبت
في الحديث أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال على المنبر «ألا إن القوة الرمي».
و في الحديث الآخر «ارموا و اركبوا و أن ترموا أحب إلى».
و في يوم الاثنين بعد الظهر عقد مجلس بدار السعادة للكشف على قاضى القضاة جمال الدين المرداوي الحنبلي بمقتضى مرسوم شريف ورد من الديار المصرية بذلك، و ذلك بسبب ما يعتمده كثير من شهود مجلسه من بيع أوقاف لم يستوف فيها شرائط المذهب، و إثبات إعسارات أيضا كذلك و غير ذلك انتهى.
الوقعة بين الأمراء بالديار المصرية
و في العشر الأخير من جمادى الآخرة ورد الخبر بأن الأمير الكبير يلبغا الخاصكى خرج عليه