البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٧ - صفة عقد مجلس بسبب قاضى القضاة تاج الدين السبكى الشافعيّ
الجيوش، و كان يهوديا قرائيا، فأسلم ولده هذا قبل وفاة نفسه بسنوات عشر أو نحوها، و قد كان ظاهره جيدا و اللَّه أعلم بسره و سريرته، و قد تمرض قبل وفاته بشهر أو نحوه، حتى كانت وفاته في هذا اليوم فصلى عليه بالجامع الأموي تجاه النسر بعد العصر، ثم حمل إلى تربة له أعدها في بستانه بحوش، و له من العمر قريب الخمسين.
و في أوائل هذا الشهر ورد المرسوم الشريف السلطاني بالرد على نساء النصارى ما كان أخذ منهن مع الجباية التي كان تقدم أخذها منهن، و إن كان الجميع ظلما، و لكن الأخذ من النساء أفحش و أبلغ في الظلم، و اللَّه أعلم. و في يوم الاثنين الخامس عشر منه أمر نائب السلطنة أعزه اللَّه بكبس بساتين أهل الذمة فوجد فيها من الخمر المعتصر من الخوابي و الحباب فأريقت عن آخرها و للَّه الحمد و المنة، بحيث جرت في الازقة و الطرقات، و فاض نهر توزا من ذلك، و أمر بمصادرة أهل الذمة الذين وجد عندهم ذلك بمال جزيل، و هم تحت الجباية، و بعد أيام نودي في البلد بأن نساء أهل الذمة لا تدخل الحمامات مع المسلمات، بل تدخل حمامات تختص بهن، و من دخل من أهل الذمة الرجال مع الرجال المسلمين يكون في رقاب الكفار علامات يعرفون بها من أجراس و خواتيم و نحو ذلك، و أمر نساء أهل الذمة بأن تلبس المرأة خفها مخالفين في اللون بأن يكون أحدهما أبيض و الآخر أصفر أو نحو ذلك.
و لما كان يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر- أعنى ربيع الآخر- طلب القضاة الثلاثة و جماعة من المفتين: فمن ناحية الشافعيّ نائباه، و هما القاضي شمس الدين الغزى و القاضي بدر الدين بن وهبة، و الشيخ جمال الدين بن قاضى الزبدانى، و المصنف الشيخ عماد الدين بن كثير و الشيخ بدر الدين حسن الزرعى، و الشيخ تقى الدين الفارقيّ. و من الجانب الآخر قاضيا القضاة جمال الدين المالكي و الحنبلي، و الشيخ شرف الدين بن قاضى الجبل الحنبلي، و الشيخ جمال الدين ابن الشريشنى، و الشيخ عز الدين بن حمزة بن شيخ السلامية الحنبلي، و عماد الدين الحنائى، فاجتمعت مع نائب السلطنة بالقاعة التي في صدر إيوان دار السعادة، و جلس نائب السلطنة في صدر المكان، و جلسنا حوله، فكان أول ما قال: كنا نحن الترك و غيرنا إذا اختلفنا و اختصمنا نجيء بالعلماء فيصلحون بيننا، فصرنا نحن إذا اختلفت العلماء و اختصموا فمن يصلح بينهم؟
و شرع في تأنيب من شنع على الشافعيّ بما تقدم ذكره من تلك الأقوال و الأفاعيل التي كتبت في تلك الأوراق و غيرها، و أن هذا يشفى الأعداء بنا، و أشار بالصلح بين القضاة بعضهم من بعض فصمم بعضهم و امتنع، و جرت مناقشات من بعض الحاضرين فيما بينهم، ثم حصل بحث في مسائل ثم قال نائب السلطنة أخيرا: أما سمعتم قول اللَّه تعالى عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ فلانت القلوب عند