البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣١ - كائنة عجيبة غريبة جدا
الأخضر يستخلص أمواله و حواصله، و يجمعها عنده، فأنكر عليه الأمراء الكبار، و أمروه أن يحمل الأموال إلى قلعة السلطان فلم يقبل منهم، فاتهموه في أمره، و شكوا في الكتاب على يده من الأمر بمسكه و قتله، و ركبوا ملبسين تحت القلعة و أبواب الميادين، و ركب هو في أصحابه و هم في دون المائة، و قائل يقول هم ما بين السبعين إلى الثمانين و التسعين، جعلوا يحملون على الجيش حمل المستقتلين، إنما يدافعهم مدافعة المتبرءين، و ليس معهم مرسوم بقتلهم و لا قتالهم، فلهذا ولى أكثرهم منهزمين، فخرج جماعة من الجيش حتى بعض الأمراء المقدمين، و هو الأمير الكبير سيف الدين ألجى بغا العادلى، فقطعت يده اليمنى، و قد قارب التسعين، و قتل آخرون من أجناد الحلقة و المستخدمين، ثم انفصل الحال على أن أخذ ألجى بغا المظفري من خيول أرغون شاه المرتبطة في اسطبله ما أراد، ثم انصرف من ناحية المزة صاغرا على عقبيه، و معه الأموال التي جمعها من حواصل أرغون شاه، و استمر ذاهبا، و لم يتبعه أحد من الجيش، و صحبته الأمير فخر الدين إياس، الّذي كان حاجبا، و ناب في حلب في العام الماضي، فذهبا بمن معهما إلى طرابلس، و كتب أمراء الشام إلى السلطان يعلمونه بما وقع، فجاء البريد بأنه ليس عند السلطان علم بما وقع بالكلية، و أن الكتاب الّذي جاء على يديه مفتعل، و جاء الأمر لأربعة آلاف من الجيش الشامي أن يسيروا وراءه ليمسكوه ثم أضيف نائب صغد مقدما على الجميع، فخرجوا في العشر الأول من ربيع الآخر. و في يوم الأربعاء سادس ربيع الآخر خرجت العساكر في طلب سيف الدين ألجى بغا العادلى في المعركة و هو أحد أمراء الألوف المقدمين، و لما كانت ليلة الخميس سابعه نودي بالبلد على من يقربها من الأجناد أن لا يتأخر أحد عن الخروج بالغد، فأصبحوا في سرعة عظيمة و استنيب في البلد نيابة عن النائب الراتب الأمير بدر الدين الخطير، فحكم بدار السعادة على عادة النواب. و في ليلة السبت بين العشاءين سادس عشره دخل الجيش الذين خرجوا في طلب ألجى بغا المظفري، و هو معهم أسير ذليل حقير، و كذلك الفخر إياس الحاجب مأسور معهم، فأودعا في القلعة مهانين من جسر باب النصر الّذي تجاه دار السعادة، و ذلك بحضور الأمير بدر الدين الخطير نائب الغيبة، ففرح الناس بذلك فرحا شديدا، و للَّه الحمد و المنة فلما كان يوم الاثنين الثامن عشر منه خرجا من القلعة إلى سوق الخيل فوسطا بحضرة الجيش، و علقت جثتهما على الخشب ليراهما الناس، فمكثا أياما ثم أنزلا فدفنا بمقابر المسلمين.
و في أوائل شهر جمادى الآخرة جاء الخبر بموت نائب حلب سيف الدين قطلب شاه ففرح كثير من الناس بموته و ذلك لسوء أعماله في مدينة حماة في زمن الطاعون، و ذكر أنه كان يحتاط على التركة و إن كان فيها ولد ذكر أو غيره، و يأخذ من أموال الناس جهرة، حتى حصل له منها شيء كثير، ثم