البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٢ - كائنة عجيبة غريبة جدا
نقل إلى حلب بعد نائبها الأمير سيف الدين ارقطيه الّذي كان عين لنيابة دمشق بعد موت أرغون شاه، و خرج الناس لتلقيه فما هو إلا أن برز منزلة واحدة من حلب فمات بتلك المنزلة، فلما صار قطلب شاه إلى حلب لم يقم بها إلا يسيرا حتى مات، و لم ينتفع بتلك الأموال التي جمعها لا في دنياه و لا في أخراه.
و لما كان يوم الخميس الحادي عشر من جمادى الآخرة دخل الأمير سيف الدين أيتمش الناصري من الديار المصرية إلى دمشق نائبا عليها، و بين يديه الجيش على العادة، فقبل العتبة و لبس الحياصة و السيف، و أعطى تقليده و منشورة هنالك، ثم وقف في الموكب على عادة النواب، و رجع إلى دار السعادة و حكم، و فرح الناس به، و هو حسن الشكل تام الخلقة، و كان الشام بلا نائب مستقل قريبا من شهرين و نصف. و في يوم دخوله حبس أربعة أمراء من الطبلخانات، و هم القاسمي و أولاد آل أبو بكر اعتقلهم في القلعة لممالأتهم ألجى بغا المظفري، على أرغون شاه نائب الشام.
و في يوم الاثنين خامس عشر جمادى الآخرة حكم القاضي نجم الدين بن القاضي عماد الدين الطرسوسي الحنفي، و ذلك بتوقيع سلطاني و خلعة من الديار المصرية. و في يوم الثلاثاء سادس عشر جمادى الآخرة حصل الصلح بين قاضى القضاة تقى الدين السبكى و بين الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية، على يدي الأمير سيف الدين بن فضل ملك العرب، في بستان قاضى القضاة، و كان قد نقم عليه إكثاره من الفتيا بمسألة الطلاق.
و في يوم الجمعة السادس و العشرين منه نقلت جثة الأمير سيف الدين أرغون شاه من مقابر الصوفية إلى تربته التي أنشأها تحت الطارمة، و شرع في تكميل التربة و المسجد الّذي قبلها، و ذلك أنه عاجلته المنية على يد ألجى بغا المظفري قبل إتمامهما، و حين قتلوه ذبحا و دفنوه ليلا في مقابر الصوفية، قريبا من قبر الشيخ تقى الدين ابن الصلاح، ثم حول إلى تربته في الليلة المذكورة، و في يوم السبت تاسع عشر رجب أذن المؤذنون للفجر قبل الوقت بقريب من ساعة، فصلى الناس في الجامع الأموي على عادتهم في ترتيب الأئمة، ثم رأوا الوقت باقيا فأعاد الخطيب الفجر بعد صلاة الأئمة كلهم، و أقيمت الصلاة ثانيا، و هذا شيء لم يتفق مثله.
و في يوم الخميس ثامن شهر شعبان توفى قاضى القضاة علاء الدين بن منجا الحنبلي بالمسمارية، و صلى عليه الظهر بالجامع الأموي، ثم بظاهر باب النصر، و دفن بسفح قاسيون (رحمه اللَّه).
و في يوم الاثنين رمضان بكرة النهار استدعى الشيخ جمال الدين المرداوي من الصالحية إلى دار السعادة، و كان تقليد القضاء لمذهبه قد وصل إليه قبل ذلك بأيام، فأحضرت الخلعة بين يدي النائب و القضاة الباقين، و أريد على لبسها و قبول الولاية فامتنع، فألحوا عليه فصمم و بالغ في الامتناع