البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٧ - كائنة غريبة جدا
سليمان العباسي، و سلطان الإسلام بالديار المصرية و ما يتبعها و بالبلاد الشامية و ما والاها و الحرمين الشريفين و غير ذلك الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي و ليس له بمصر نائب و لا وزير، و إنما ترجع الأمور إصدارا و إيرادا إلى الأميرين الكبيرين سيف الدين شيخون و صرغتمش الناصريين، و قضاة مصرهم المذكورون في التي قبلها، و نائب الشام بدمشق الأمير علاء الدين أمير على المارداني، و قضاة دمشق هم المذكورون في التي قبلها انتهى.
كائنة غريبة جدا
لما كان يوم الأربعاء الرابع و العشرين من رجب من هذه السنة نهدت جماعة من مجاوري الجامع بدمشق من مشهد على و غيره، و اتبعهم جماعة من الفقراء و المغاربة، و جاءوا إلى أماكن متهمة بالخمر و بيع الحشيش فكسروا أشياء كثيرة من أواني الخمر، و أراقوا ما فيها و أتلفوا شيئا كثيرا من الحشيش و غيره، ثم انتقلوا إلى حكر السماق و غيرهم فثار عليهم من البارذارية و الكلابرية و غيرهم من الرعاع فتناوشوا، و ضربت عليهم ضرابات بالأيدي و غيرهم، و ربما سل بعض الفساق السيوف عليهم كما ذكر، و قد رسم ملك الأمراء لوالي المدينة و والى البر أن يكونوا عضدا لهم و عونا على الخمارين و الحشاشة، فنصروهم عليهم، غير أنه كثر معهم الضجيج و نصبوا راية و اجتمع عليهم خلق كثير، و لما كان في أواخر النهار تقدم جماعة من النقباء و الخزاندارية و معهم جنازير فأخذوا جماعة من مجاوري الجامع و ضربوا بالمقارع و طيف بهم في البلد و نادوا عليهم: هذا جزاء من يتعرض لما لا يعنيه تحت علم السلطان، فتعجب الناس من ذلك و أنكروه حتى أنه أنكر اثنان من العامة على المنادية فضرب بعض الجند أحدهم بدبوس فقتله، و ضرب الآخر فيقال إنه مات أيضا ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و في شعبان من هذه السنة حكى عن جارية من عتيقات الأمير سيف الدين تمر المهمندار أنها حملت قريبا من سبعين يوما، ثم شرعت تطرح ما في بطنها فوضعت في قرب من أربعين يوما في أيام متتالية و متفرقة أربع عشرة بنتا و صبيا بعدهن قل من يعرف شكل الذكر من الأنثى.
و جاء الخبر بأن الأمير سيف الدين شيخون مدبر الممالك بالديار المصرية و الشامية ظفر عليه مملوك من مماليك السلطان فضربه بالسيف ضربات فجرحه في أماكن في جسده، منها ما هو في وجهه و منها ما هو في يده، فحمل إلى منزله صريعا طريحا جريحا، و غضب لذلك طوائف من الأمراء حتى قيل إنهم ركبوا و دعوا إلى المبارزة فلم يجى إليهم و عظم الخطب بذلك جدا و اتهموا به الأمير سيف الدين صرغتمش و غيره، و أن هذا إنما فعل عن ممالأة منهم فاللَّه أعلم.