البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٩ - ثم دخلت سنة تسع و خمسين و سبعمائة
مجيئه في جيشه قاصدا إلى الديار المصرية، فانزعج الناس لذلك و أخليت دار السعادة من الحواصل و الحريم إلى القلعة، و تحصن كثير من الأمراء بدورهم داخل البلد، و أغلق باب النصر، فاستوحش الناس من ذلك بعض الشيء، ثم غلقت أبواب البلد كلها إلا بابي الفراديس و الفرج، و باب الجابية أيضا لأجل دخول الحجاج و دخل المحمل صبيحة يوم الجمعة الثالث و العشرين من المحرم و لم يشعر به كثير من الناس لشغلهم بما هم فيه من أمر طاز، و أمر العشير بحوران، و جاء الخبر بمسك الأمير سيف الدين طيدمر الحاجب الكبير بأرض حوران و سجنه بقلعة صرخد، و جاء سيفه صحبة الأمير جمال الدين الحاجب، فذهب به إلى الوطاق عند الثنية، و قد وصل طاز بجنوده إلى باب القطيفة و تلاقى شاليشه بشاليش نائب الشام، و لم يكن منهم قتال و للَّه الحمد، ثم تراسل هو و النائب في الصلح على أن يسلم طاز نفسه و يركب في عشرة سروج إلى السلطان و ينسلخ مما هو فيه، و يكاتب فيه النائب و تلطفوا بأمره عند السلطان و بكل ما يقدر عليه، فأجاب إلى ذلك و أرسل يطلب من يشهده على وصيته، فأرسل إليه نائب السلطنة القاضي شهاب الدين قاضى العسكر، فذهب إليه فأوصى لولده و أم ولده و لوالده نفسه، و جعل الناظر على وصيته الأمير علاء الدين أمير على المارداني نائب السلطنة، و للأمير صرغتمش، و رجع النائب من الثنية عشية يوم السبت بين العشاءين الرابع و العشرين منه و تضاعفت الأدعية له و فرح الناس بذلك فرحا شديدا، و دعوا إلى الأمير طاز بسبب إجابته إلى السمع و الطاعة، و عدم مقاتلته مع كثرة من كان معه من الجيوش، و قوة من كان يحرضه على ذلك من أخويه و ذويه، و قد اجتمعت بنائب السلطنة الأمير علاء الدين أمير على المارداني فأخبرني بملخص ما وقع منذ خرج إلى أن رجع، و مضمون كلامه أن اللَّه لطف بالمسلمين لطفا عظيما، إذ لم يقع بينهم قتال، فإنه قال: لما وصل طاز إلى القطيفة و قد نزلنا نحن بالقرب من خان لاجين أرسلت إليه مملوكا من مماليكي أقول له: إن المرسوم الشريف قد ورد بذهابك إلى الديار المصرية في عشرة سروج فقط، فإذا جئت هكذا فأهلا و سهلا، و إن لم تفعل فأنت أصل الفتنة. و ركبت ليلة الجمعة طول الليل في الجيش و هو ملبس، فرجع مملوكي و معه مملوكه سريعا يقول: إنه يسأل أن يدخل بطلبه كما خرج يطلبه من مصر، فقلت لا سبيل إلى ذلك إلا في عشرة سروج كما رسم السلطان، فرجع و جاءني الأمير الّذي جاء من مصر بطلبه فقال: إنه يطلب منك أن يدخل في مماليكه فإذا جاوز دمشق إلى الكسوة نزل جيشه هناك و ركب هو في عشرة سروج كما رسم. فقلت: لا سبيل إلى أن يدخل دمشق و يتجاوز بطلبه أصلا، و إن كان عنده خيل و رجال و عدة فعندي أضعاف ذلك، فقال لي الأمير: يا خوند لا يكون تنسى قيمته، فقلت لا يقع إلا ما تسمع، فرجع فما هو إلا أن ساق مقدار رمية سهم و جاء بعض الجواسيس الذين لنا عندهم فقال يا خوندها قد وصل جيش حماة و طرابلس، و من معهم من جيش دمشق