البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٧ - ثم دخلت سنة خمس و عشرين و سبعمائة
و وجد له بعد موته ذخائر كثيرة سامحه اللَّه.
الشيخ الامام العالم علاء الدين
على بن إبراهيم بن داود بن سليمان بن العطار، شيخ دار الحديث النورية، و مدرس الغوصية بالجامع، ولد يوم عيد الفطر سنة أربع و خمسين و ستمائة، و سمع الحديث و اشتغل على الشيخ محيي الدين النواوى و لازمه حتى كان يقال له مختصر النواوى، و له مصنفات و فوائد و مجاميع و تخاريج، و باشر مشيخة النورية من سنة أربع و تسعين إلى هذه السنة، مدة ثلاثين سنة، توفى يوم الاثنين منها مستهل ذي الحجة فولى بعده النورية علم الدين البرزالي، و تولى الغوصية شهاب الدين بن حرز اللَّه و صلى عليه بالجامع و دفن بقاسيون (رحمه اللَّه)، و اللَّه سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة خمس و عشرين و سبعمائة
استهلت و حكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها، و أولها يوم الأربعاء. و في خامس صفر منها قدم إلى دمشق الشيخ شمس الدين محمود الأصبهاني بعد مرجعه من الحج و زيارة القدس الشريف و هو رجل فاضل له مصنفات منها شرح مختصر ابن الحاجب، و شرح الجويد و غير ذلك، ثم إنه شرح الحاجبية أيضا و جمع له تفسيرا بعد صيرورته إلى مصر، و لما قدم إلى دمشق أكرم و اشتغل عليه الطلبة، و كان حظيا عند القاضي جلال الدين القزويني، ثم إنه ترك الكل و صار يتردد إلى الشيخ تقى الدين بن تيمية و سمع عليه من مصنفاته و رده على أهل الكلام، و لازمه مدة فلما مات الشيخ تقى الدين تحول إلى مصر و جمع التفسير.
و في ربيع الأول جرد السلطان تجريدة نحو خمسة آلاف إلى اليمن لخروج عمه عليه، و صحبتهم خلق كثير من الحجاج، منهم الشيخ فخر الدين النويرى. و فيها منع شهاب الدين بن مري البعلبكي من الكلام على الناس بمصر، على طريقة الشيخ تقى الدين بن تيمية، و عزره القاضي المالكي بسبب الاستغاثة، و حضر المذكور بين يدي السلطان و أثنى عليه جماعة من الأمراء، ثم سفر إلى الشام بأهله فنزل ببلاد الخليل، ثم انتزح إلى بلاد الشرق و أقام بسنجار و ماردين و معاملتهما يتكلم و يعظ الناس إلى أن مات (رحمه اللَّه) كما سنذكره.
و في ربيع الآخر عاد نائب الشام من مصر و قد أكرمه السلطان و الأمراء. و في جمادى الأولى وقع بمصر مطر لم يسمع بمثله بحيث زاد النيل بسببه أربع أصابع، و تغير أياما. و فيه زادت دجلة ببغداد حتى غرقت ما حول بغداد و انحصر الناس بها ستة أيام لم تفتح أبوابها، و بقيت مثل السفينة في وسط البحر، و غرق خلق كثير من الفلاحين و غيرهم، و تلف للناس ما لا يعلمه إلا اللَّه، و ودع أهل البلد بعضهم بعضا، و لجئوا إلى اللَّه تعالى و حملوا المصاحف على رءوسهم في شدة الشوق في أنفسهم