البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٨ - الشيخ الصالح عثمان الحلبونى
ذكر سلطنة الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير بشيخ [١] المنبجى عدو ابن تيمية
لما استقر الملك الناصر بالكرك و عزم على الاقامة بها كتب كتابا إلى الديار المصرية يتضمن عزل نفسه عن المملكة، فأثبت ذلك على القضاة بمصر، ثم نفذ على قضاة الشام و بويع الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير في السلطنة في الثالث و العشرين من شوال يوم السبت بعد العصر، بدار الأمير سيف الدين سلار، اجتمع بها أعيان الدولة من الأمراء و غيرهم و بايعوه و خاطبوه بالملك المظفر، و ركب إلى القلعة و مشوا بين يديه، و جلس على سرير المملكة بالقلعة، و دقت البشائر و سارت البريدية بذلك إلى سائر البلدان. و في مستهل ذي القعدة وصل الأمير عز الدين البغدادي إلى دمشق فاجتمع بنائب السلطنة و القضاة و الأمراء و الأعيان بالقصر الأبلق فقرأ عليهم كتاب الناصر إلى أهل مصر، و أنه قد نزل عن الملك و أعرض عنه، فأثبته القضاة و امتنع الحنبلي من إثباته و قال: ليس أحد يترك الملك مختارا، و لو لا أنه مضطهد ما تركه، فعزل و أقيم غيره، و استحلفهم للسلطان الملك المظفر، و كتبت العلامة على القلعة، و ألقابه على محال المملكة، و دقت البشائر و زينت البلد، و لما قرئ كتاب الملك الناصر على الأمراء بالقصر، و فيه: إني قد صحبت الناس عشر سنين ثم اخترت المقام بالكرك، تباكى جماعة من الأمراء و بايعوا كالمكرهين، و تولى مكان الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير الأمير سيف الدين بن على، و مكان ترعكى سيف الدين بنخلص، و مكان بنخلص الأمير جمال الدين آقوش الّذي كان نائب الكرك، و خطب للمظفر يوم الجمعة على المنابر بدمشق و غيرها، و حضر نائب السلطنة الافرم و القضاة، و جاءت الخلع و تقليد نائب السلطنة في تاسع عشر ذي القعدة، و قرأ تقليد النائب كاتب السر القاضي محيي الدين بن فضل اللَّه بالقصر بحضرة الأمراء، و عليهم الخلع كلهم. و ركب المظفر بالخلعة السوداء الخليفية، و العمامة المدورة و الدولة بين يديه عليهم الخلع يوم السبت سابع ذي القعدة، و الصاحب ضياء الدين النساى حامل تقليد السلطان من جهة الخليفة في كيس أطلس أسود، و أوله: إنه من سليمان و إنه بسم اللَّه الرحمن الرحيم، و يقال إنه خلع في القاهرة قريب ألف خلعة و مائتي خلعة، و كان يوما مشهودا، و فرح بنفسه أياما يسيرة، و كذا شيخه المنبجى، ثم أزال اللَّه عنهما نعمته سريعا.
و فيها خطب ابن جماعة بالقلعة و باشر الشيخ علاء الدين القونوي تدريس الشريفية.
و ممن توفى فيها من الأعيان
الشيخ الصالح عثمان الحلبونى
أصله من صعيد مصر، فأقام مدة بقرية حلبون و غيرها من تلك الناحية، و مكث مدة لا يأكل الخبز، و اجتمع عليه جماعة من المريدين و توفى بقرية برارة في أواخر المحرم، و دفن بها و حضر جنازته نائب الشام و القضاة و جماعة من الأعيان.
[١] كذا في الأصل. و لعلها «بسعي» أو نحوها.