البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٠ - ثم دخلت سنة تسع و سبعمائة
و كانت تلك كرامة في حقنا، و ظنوا أن ذلك يؤدى إلى هلاك الشيخ فانقلبت عليهم مقاصدهم الخبيثة و انعكست من كل الوجوه، و أصبحوا و أمسوا و ما زالوا عند اللَّه و عند الناس العارفين سود الوجوه يتقطعون حسرات و ندما على ما فعلوا، و انقلب أهل الثغر أجمعين إلى الأخ مقبلين عليه مكرمين له و في كل وقت ينشر من كتاب اللَّه و سنة رسوله ما تقربه أعين المؤمنين، و ذلك شجى في حلوق الأعداء و اتفق أنه وجد بالإسكندرية إبليس قد باض فيها و فرخ و أضل بها فرق السبعينية و العربية فمزق اللَّه بقدومه عليهم شملهم، و شتت جموعهم شذر مذر، و هتك أستارهم و فضحهم، و استتاب جماعة كثيرة منهم، و توب رئيسا من رؤسائهم و استقر عند عامة المؤمنين و خواصهم من أمير و قاض و فقيه، و مفتى و شيخ و جماعة المجتهدين، إلا من شذ من الأغمار الجهال، مع الذلة و الصغار- محبة الشيخ و تعظيمه و قبول كلامه و الرجوع إلى أمره و نهيه، فعلت كلمة اللَّه بها على أعداء اللَّه و رسوله، و لعنوا سرا و جهرا و باطنا و ظاهرا، في مجامع الناس بأسمائهم الخاصة بهم، و صار ذلك عند نصر المنبجى المقيم المقعد، و نزل به من الخوف و الذل ما لا يعبر عنه، و ذكر كلاما كثيرا.
و المقصود أن الشيخ تقى الدين أقام بثغر الاسكندرية ثمانية أشهر مقيما ببرج متسع مليح نظيف له شباكان أحدهما إلى جهة البحر و الآخر إلى جهة المدينة، و كان يدخل عليه من شاء، و يتردد إليه الأكابر و الأعيان و الفقهاء، يقرءون عليه و يستفيدون منه، و هو في أطيب عيش و أشرح صدر.
و في آخر ربيع الأول عزل الشيخ كمال الدين بن الزملكانى عن نظر المارستان بسبب انتمائه إلى ابن تيمية بإشارة المنبجى، و باشره شمس الدين عبد القادر بن الخطيريّ. و في يوم الثلاثاء ثالث ربيع الآخر ولى قضاء الحنابلة بمصر الشيخ الامام الحافظ سعد الدين أبو محمود مسعود بن أحمد ابن مسعود بن زين الدين الحارثي، شيخ الحديث بمصر، بعد وفاة القاضي شرف الدين أبى محمد عبد الغنى بن يحيى بن محمد بن عبد اللَّه بن نصر بن أبى بكر الحراني. و في جمادى الأولى برزت المراسيم السلطانية المظفرية إلى البلاد السواحلية بإبطال الخمور و تخريب الحانات و نفى أهلها، ففعل ذلك و فرح المسلمون بذلك فرحا شديدا. و في مستهل جمادى الآخرة وصل بريد بتولية قضاء الحنابلة بدمشق للشيخ شهاب الدين أحمد بن شريف الدين حسن بن الحافظ جمال الدين أبى موسى عبد اللَّه بن الحافظ عبد الغنى المقدسي، عوضا عن التقى سليمان بن حمزة بسبب تكلمه في نزول الملك الناصر عن الملك، و أنه إنما نزل عنه مضطهدا بذلك، ليس بمختار، و قد صدق فيما قال. و في عشرين جمادى الآخرة وصل البريد بولاية شد الدواوين للأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، عوضا عن الرستمي فلم يقبل، و بنظر الخزانة للأمير عز الدين أحمد بن زين الدين محمد بن أحمد بن محمود المعروف بابن القلانسي، فباشرهما و عزل عنها البصراوي محتسب البلد. و في هذا الشهر باشر قاضى القضاة ابن جماعة مشيخة سعيد السعداء