البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤١ - ثم دخلت سنة ست و سبعمائة
ورعا، جيد المباشرة، و كان قد ولى الحكم في سنة سبع و خمسين و ستمائة، فلما ولى ابن صصريّ كره نيابته. و في يوم الأحد العشرين من ربيع الآخر قدم البريد من القاهرة و معه تجديد توقيع للقاضي شمس الدين الأزرعى الحنفي، فظن الناس أنه بولاية القضاء لابن الحريري فذهبوا ليهنئوه مع البريد إلى الظاهرية، و اجتمع الناس لقراءة التقليد على العادة فشرع الشيخ علم الدين البرزالي في قراءته فلما وصل إلى الاسم تبين له أنه ليس له و أنه للأزرعى، فبطل القارئ و قام الناس مع البريدي إلى الأزرعى، و حصلت كسرة و خمدة على الحريري و الحاضرين. و وصل مع البريدي أيضا كتاب فيه طلب الشيخ كمال الدين بن الزملكانى إلى القاهرة، فتوهم من ذلك و خاف أصحابه عليه بسبب انتسابه إلى الشيخ تقى الدين بن تيمية، فتلطف به نائب السلطنة، و داري عنه حتى أعفى من الحضور إلى مصر، و للَّه الحمد.
و في يوم الخميس تاسع جمادى الأولى دخل الشيخ ابن براق إلى دمشق و بصحبته مائة فقير كلهم محلقي ذقونهم موفرى شواربهم عكس ما وردت به السنة، و على رءوسهم قرون لبابيد. و معهم أجراس و كعاب و جواكين خشب، فنزلوا بالمنيبع و حضروا الجمعة برواق الحنابلة، ثم توجهوا نحو القدس فزاروا، ثم استأذنوا في الدخول إلى الديار المصرية فلم يؤذن لهم، فعادوا إلى دمشق فصاموا بها رمضان ثم انشمروا راجعين إلى بلاد الشرق، إذ لم يجدوا بدمشق قبولا، و قد كان شيخهم براق روميا من بعض قرى دوقات من أبناء الأربعين، و قد كانت له منزلة عند قازان و مكانة، و ذلك أنه سلط عليه نمرا فزجره فهرب منه و تركه، فحظي عنده و أعطاه في يوم واحد ثلاثين ألفا ففرقها كلها فأحبه، و من طريقة أصحابه أنهم لا يقطعون لهم صلاة، و من ترك صلاة ضربوه أربعين جلدة، و كان يزعم أن طريقه الّذي سلكه إنما سلكه ليخرب على نفسه، و يرى أنه زي المسخرة، و أن هذا هو الّذي يليق بالدنيا، و المقصود إنما هو الباطن و القلب و عمارة ذلك، و نحن إنما نحكم بالظاهر، و اللَّه أعلم بالسرائر.
و في يوم الأربعاء سادس جمادى الآخرة حضر مدرس النجيبية بهاء الدين يوسف بن كمال الدين أحمد بن عبد العزيز العجمي الحلبي، عوضا عن الشيخ ضياء الدين الطوسي توفى، و حضر عنده ابن صصريّ و جماعة من الفضلاء، و في هذه السنة صليت صلاة الرغائب في النصف بجامع دمشق بعد أن كانت قد أبطلها ابن تيمية منذ أربع سنين، و لما كانت ليلة النصف حضر الحاجب ركن الدين بيبرس العلائى و منع الناس من الوصول إلى الجامع ليلتئذ، و غلقت أبوابه فبات كثير من الناس في الطرقات و حصل للناس أذى كثير، و إنما أراد صيانة الجامع من اللغو و الرفث و التخليط.
و في سابع عشر رمضان حكم القاضي تقى الدين الحنبلي بحقن دم محمد الباجريقي، و أثبت عنده محضرا