البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٣ - صفة عود الملك الناصر
و اتفق في يوم هذا العيد أنه خرج نائب الخطيب الشيخ تقى الدين الجزري المعروف بالمقضاى في السناجق إلى المصلى على العادة، و استناب في البلد الشيخ مجد الدين التونسي، فلما وصلوا إلى المصلى وجدوا خطيب المصلى قد شرع في الصلاة فنصبت السناجق في صحن المصلى و صلى بينهما تقى الدين المقضاى ثم خطب، و كذلك فعل ابن حسان داخل المصلى، فعقد فيه صلاتان و خطبتان يومئذ، و لم يتفق مثل هذا فيما نعلم.
و كان دخول السلطان الملك الناصر إلى قلعة الجبل آخر يوم عيد الفطر من هذه السنة، و رسم لسلار أن يسافر إلى الشوبك، و استناب بمصر الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار الّذي كان نائب صفد، و بالشام الأمير قراسنقر المنصوري، و ذلك في العشرين من شوال، و استوزر الصاحب فخر الدين الخليلي بعدها بيومين، و باشر القاضي فخر الدين كاتب الممالك نظر الجيوش بمصر بعد بهاء الدين عبد اللَّه بن أحمد بن على بن المظفر الحلي، توفى ليلة الجمعة عاشر شوال، و كان من صدور المصريين و أعيان الكبار، و قد روى شيئا من الحديث، و صرف الأمير جمال الدين آقوش الأفرم إلى نيابة صرخد و قدم إلى دمشق الأمير زين الدين كتبغا رأس نوبة الجمدارية شد الدواوين، و أستاذ دار الاستادارية عوضا عن سيف الدين أقجبا، و تغيرت الدولة و انقلبت قلبة عظيمة.
قال الشيخ علم الدين البرزالي: و لما دخل السلطان إلى مصر يوم عيد الفطر لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ تقى الدين بن تيمية من الاسكندرية معززا مكرما مبجلا، فوجه إليه في ثانى يوم من شوال بعد وصوله بيوم أو يومين، فقدم الشيخ تقى الدين على السلطان في يوم ثامن الشهر و خرج مع الشيخ خلق من الاسكندرية يودعونه، و اجتمع بالسلطان يوم الجمعة فأكرمه و تلقاه و مشى إليه في مجلس حفل، فيه قضاة المصريين و الشاميين، و أصلح بينه و بينهم، و نزل الشيخ إلى القاهرة و سكن بالقرب من مشهد الحسين، و الناس يترددون إليه، و الأمراء و الجند و كثير من الفقهاء و القضاة منهم من يعتذر إليه و يتنصل مما وقع منه، فقال أنا حاللت كل من أذانى.
قلت: و قد أخبرنى القاضي جمال الدين بن القلانسي بتفاصيل هذا المجلس و ما وقع فيه من تعظيمه و إكرامه مما حصل له من الشكر و المدح من السلطان و الحاضرين من الأمراء، و كذلك أخبرنى بذلك قاضى القضاة منصور الدين الحنفي، و لكن أخبار ابن القلانسي أكثر تفصيلا، و ذلك أنه كان إذ ذاك قاضى العساكر، و كلاهما كان حاضرا هذا المجلس، ذكر لي أن السلطان لما قدم عليه الشيخ تقى الدين بن تيمية نهض قائما للشيخ أول ما رآه، و مشى له إلى طرف الإيوان و اعتنقا هناك هنيهة، ثم أخذ معه ساعة إلى طبقة فيها شباك إلى بستان فجلسا ساعة يتحدثان، ثم جاء و يد الشيخ في يد السلطان، فجلس السلطان و عن يمينه ابن جماعة قاضى مصر، و عن يساره ابن