البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٤ - صفة عود الملك الناصر
الخليلي الوزير، و تحته ابن صصريّ، ثم صدر الدين على الحنفي، و جلس الشيخ تقى الدين بين يدي السلطان على طرف طراحته، و تكلم الوزير في إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض بالعلائم، و أنهم قد التزموا للديوان بسبع مائة ألف في كل سنة، زيادة على الحالية، فسكت الناس و كان فيهم قضاة مصر و الشام و كبار العلماء من أهل مصر و الشام من جملتهم ابن الزملكانى. قال ابن القلانسي: و أنا في مجلس السلطان إلى جنب ابن الزملكانى، فلم يتكلم أحد من العلماء و لا من القضاة، فقال لهم السلطان: ما تقولون؟ يستفتيهم في ذلك، فلم يتكلم أحد، فجثى الشيخ تقى الدين على ركبتيه و تكلم مع السلطان في ذلك بكلام غليظ ورد على الوزير ما قاله ردا عنيفا، و جعل يرفع صوته و السلطان يتلاقاه و يسكته بترفق و تؤدة و توقير. و بالغ الشيخ في الكلام و قال ما لا يستطيع أحد أن يقوم بمثله، و لا بقريب منه، و بالغ في التشنيع على من يوافق في ذلك. و قال للسلطان: حاشاك أن يكون أول مجلس جلسته في أبهة الملك تنصر فيه أهل الذمة لأجل حطام الدنيا الفانية، فاذكر نعمة اللَّه عليك إذ رد ملكك إليك، و كبت عدوك و نصرك على أعدائك فذكر أن الجاشنكير هو الّذي جدد عليهم ذلك، فقال: و الّذي فعله الجاشنكير كان من مراسيمك لأنه إنما كان نائبا لك، فأعجب السلطان ذلك و استمر بهم على ذلك، و جرت فصول يطول ذكرها.
و قد كان السلطان أعلم بالشيخ من جميع الحاضرين، و دينه و زينته و قيامه بالحق و شجاعته، و سمعت الشيخ تقى الدين يذكر ما كان بينه و بين السلطان من الكلام لما انفردا في ذلك الشباك الّذي جلسا فيه، و أن السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه، و أخرج له فتاوى بعضهم بعزله من الملك و مبايعة الجاشنكير، و أنهم قاموا عليك و آذوك أنت أيضا، و أخذ يحثه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم، و إنما كان حنقه عليهم بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله و مبايعة الجاشنكير، ففهم الشيخ مراد السلطان فأخذ في تعظيم القضاة و العلماء، و ينكر أن ينال أحدا منهم بسوء، و قال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، فقال له إنهم قد آذوك و أرادوا قتلك مرارا، فقال الشيخ من آذاني فهو في حل، و من آذى اللَّه و رسوله فاللَّه ينتقم منه، و أنا لا أنتصر لنفسي، و ما زال به حتى حلم عنهم السلطان و صفح.
قال و كان قاضى المالكية ابن مخلوف يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر عليه و قدر علينا فصفح عنا و حاجج عنا، ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة و عاد إلى بث العلم و نشره، و أقبلت الخلق عليه و رحلوا إليه يشتغلون عليه و يستفتونه و يجيبهم بالكتابة و القول، و جاء الفقهاء يعتذرون مما وقع منهم في حقه فقال: قد جعلت الكل في حل، و بعث الشيخ كتابا إلى أهله يذكر ما هو فيه من نعم اللَّه و خيره الكثير، و يطلب منهم جملة من كتب