البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨١ - ثم دخلت سنة سبع عشرة و سبعمائة
ثم آل به الحال على أن عزم على الانتقال من دمشق إلى حلب لاستحوازه على قلب نائبها، فأقام بها و درس، ثم تردد في الرسلية بين السلطان و مهنا صحبة أرغون و الطنبغا، ثم استقر به المنزل بمصر و درس فيها بمشهد الحسين إلى أن توفى بها بكرة نهار الأربعاء رابع عشرين ذي الحجة بداره قريبا من جامع الحاكم، و دفن من يومه قريبا من الشيخ محمد بن أبى جمرة بتربة القاضي ناظر الجيش بالقرافة، و لما بلغت وفاته دمشق صلى عليه بجامعها صلاة الغائب بعد الجمعة ثالث المحرم من السنة الآتية، و رثاه جماعة منهم ابن غانم علاء الدين، و القجقازي و الصفدي، لانهم كانوا من عشرائه.
و في يوم عرفة توفى الشيخ عماد الدين إسماعيل الفوعى
وكيل قجليس، و هو الّذي بنى له الباشورة على باب الصغير بالبرانية الغربية، و كانت فيه نهضة و كفاية، و كان من بيت الرفض، اتفق أنه استحضره نائب السلطنة فضربه بين يديه، و قام النائب إليه بنفسه فجعل يضربه بالمهاميز في وجهه فرفع من بين يديه و هو تالف فمات في يوم عرفة، و دفن من يومه بسفح قاسيون و له دار ظاهر باب الفراديس.
ثم دخلت سنة سبع عشرة و سبعمائة
استهلت و الحكام هم المذكورون في التي قبلها. و في صفر شرع في عمارة الجامع الّذي أنشأه ملك الأمراء تنكز نائب الشام ظاهر باب النصر تجاه حكر السماق، على نهر بانياس بدمشق، و تردد القضاة و العلماء في تحرير قبلته، فاستقر الحال في أمرها على ما قاله الشيخ تقى الدين بن تيمية في يوم الأحد الخامس و العشرين منه، و شرعوا في بنائه بأمر السلطان، و مساعدته لنائبه في ذلك. و في صفر هذا جاء سيل عظيم بمدينة بعلبكّ أهلك خلقا كثيرا من الناس، و خرب دورا و عمائر كثيرة، و ذلك في يوم الثلاثاء سابع و عشرين صفر.
و ملخص ذلك أنه قبل ذلك جاءهم رعد و برق عظيم معهما برد و مطر، فسالت الأودية، ثم جاءهم بعده سيل هائل خسف من سور البلد من جهة الشمال شرق مقدار أربعين ذراعا، مع أن سمك الحائط خمسة أذرع، و حمل برجا صحيحا و معه من جانبيه مدينتين، فحمله كما هو حتى مر فحفر في الأرض نحو خمسمائة ذراع سعة ثلاثين ذراعا، و حمل السيل ذلك إلى غربي البلد، لا يمر على شيء إلا أتلفه، و دخل المدينة على حين غفلة من أهلها فأتلف ما يزيد على ثلثها، و دخل الجامع فارتفع فيه على قامة و نصف، ثم قوى على حائطه الغربي فأخر به و أتلف جميع ما فيه الحواصل و الكتب و المصاحف و أتلف شيئا كثيرا من رباغ الجامع، و هلك تحت الهدم خلق كثير من الرجال و النساء و الأطفال، فانا للَّه و إنا إليه راجعون. و غرق في الجامع الشيخ على بن محمد بن الشيخ على الحريري هو و جماعة معه من الفقراء، و يقال كان من جملة من هلك في هذه الكائنة من أهل بعلبكّ مائة و أربعة و أربعون