البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٢ - بيان تقدم مدة هذا الباب و زيادتها على مدة أربعة آلاف سنة بل يقارب الخمسة
و أشهر، فعلى الأول يكون لهذا الباب من المدد المتطاولة ما يقارب خمسة آلاف سنة، ثم كان انجعاف هذا الباب لا من تلقاء نفسه بل بالأيدي العادية عليه، بسبب ما ناله من شوط حريق اتصل إليه حريق وقع من جانبه في صبيحة ليلة الاثنين السادس عشر من صفر، سنة ثلاث و خمسين و سبعمائة فتبادر ديوان الجامعية ففرقوا شمله و قضعوا ثمله، و عروا جلده النحاس عن بدنه الّذي هو من خشب الصنوبر، الّذي كأن الصانع قد فرغ منه يومئذ، و قد شاهدت الفؤوس تعمل فيه و لا تكاد تحيل فيه إلا بمشقة، فسبحان الّذي خلق الذين بنوه أولا، ثم قدر أهل هذا الزمان على أن هدموه بعد هذه المدد المتطاولة، و الأمم المتداولة، و لكن لكل أجل كتاب، و لا إله إلا رب العباد.
بيان تقدم مدة هذا الباب و زيادتها على مدة أربعة آلاف سنة بل يقارب الخمسة
ذكر الحافظ ابن عساكر في أول تاريخه باب بناء دمشق بسنده عن القاضي يحيى بن حمزة التبلهى الحاكم بها في الزمن المتقدم، و قد كان هذا القاضي من تلاميذ ابن عمر و الأوزاعي، قال.
لما فتح عبد اللَّه بن على دمشق بعد حصارها- يعنى و انتزعها من أيدي بنى أمية و سلبهم ملكهم- هدموا سور دمشق فوجدوا حجرا مكتوبا عليه باليونانية، فجاء راهب فقرأه لهم، فإذا هو مكتوب عليه: و يك أرم الجبابرة من رامك بسوء قصمه اللَّه، إذا و هي منك جيرون الغربي من باب البريد و تلك من خمسة أعين ينقض سورك على يديه، بعد أربعة آلاف سنة تعيشين رغدا، فإذا و هي منك جيرون الشرقي أؤمل لك ممن يعوض لك، قال: فوجدنا الخمسة أعين عبد اللَّه بن على بن عبد اللَّه ابن عباس بن عبد المطلب، عين بن عين بن عين بن عين بن عين، فهذا يقتضي أنه كان بسورها سنينا إلى حين إخرابه على يد عبد اللَّه بن على أربعة آلاف سنة، و قد كان إخرابه له في سنة ثنتين و ثلاثين و مائة كما ذكرنا في التاريخ الكبير، فعلى هذا يكون لهذا الباب إلى يوم خرب من هذه السنة- أعنى سنة ثنتين و ثلاثين و مائة- أربعة آلاف و ستمائة و إحدى و عشرين سنة، و اللَّه أعلم.
و قد ذكر ابن عساكر عن بعضهم أن نوحا عليه السلام هو الّذي أسس دمشق بعد حران و ذلك بعد مضى الطوفان، و قيل بناها دمسغس غلام ذي القرنين عن إشارته، و قيل عاد الملقب بدمشيق و هو غلام الخليل، و قيل غير ذلك من الأقوال، و أظهرها أنها من بناء اليونان، لأن محاريب معابدها كانت موجهة إلى القطب الشمالي، ثم كان بعدهم النصارى فصلوا فيها إلى الشرق، ثم كان فيها بعدهم أجمعين أمة المسلمين فصلوا إلى الكعبة المشرفة. و ذكر ابن عساكر و غيره أن أبوابها كانت سبعة كل منها يتخذ عنده عيد لهيكل من الهياكل السبعة، فباب القمر باب السلامة، و كانوا يسمونه باب الفراديس الصغير، و لعطارد باب الفراديس الكبير، و للزهرة باب توما، و للشمس الباب الشرقي، و للمريخ باب الجابية، و للمشتري باب الجابية الصغير، و لزحل باب كيسان.