البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٧ - وفاة الملك الصالح إسماعيل
خرجت أثقال الأمير سيف الدين تغردمر النائب و خيوله و هجنه و مواليه و حواصله و طبلخاناته و أولاده في تجمل عظيم، و أبهة هائلة جدا، و خرجت المحافل و الكجاوات و المحفات لنسائه و بناته و أهله في هيبة عجيبة، هذا كله و هو بدار السعادة، فلما كان من وقت السحر في يوم السبت خامسه خرج الأمير سيف الدين تغردمر بنفسه إلى الكسوة في محفة لمرضه مصحوبا بالسلامة، فلما طلعت الشمس من يومئذ قدم من حلب أستاذ دار الأمير سيف الدين يلبغا البحناوي فتسلم دار السعادة، و فرح الناس بهم، و ذهب الناس للتهنئة و التودد إليهم.
و لما كان يوم السبت الثاني عشر من جمادى الأولى خرج الجيش بكماله لتلقى نائب السلطنة الأمير سيف الدين يلبغا فدخل في تجمل عظيم، ثم جاء فنزل عند باب السر، و قبل العتبة على العادة ثم مشى إلى دار السعادة.
و في عشية يوم الاثنين رابع عشره قطع نائب السلطنة ممن وجب قطعه في الحبس ثلاثة عشر رجلا و أضاف إلى قطع اليد قطع الرجل من كل منهم، لما بلغه أنه تكرر من جناياتهم، و صلب ثلاثة بالمسامير ممن وجب قتله، ففرح الناس بذلك لقمعه المفسدين و أهل الشرور، و العيث و الفساد.
و اشتهر في العشر الأوسط من جمادى الآخرة وفاة الأمير سيف الدين تغردمر بعد وصوله إلى الديار المصرية بأيام، و كان ذلك ليلة الخميس مستهل هذا الشهر، و ذكر أنه رسم على ولده و أستاذ داره، و طلب منهم مال جزيل، فاللَّه أعلم.
و في يوم الاثنين ثانى عشره توفى القاضي علاء الدين بن العز الحنفي نائب الحكم ببستانه بالصالحية و دفن بها، و ذلك بعد عود المدرسة الظاهرية إليه، و أخذه إياها من عمه القاضي عماد الدين إسماعيل، كما قدمنا، و لم يدرس فيها إلا يوما واحدا، و هو متمرض، ثم عاد إلى الصالحية فتمادى به مرضه إلى أن مات (رحمه اللَّه).
و خرج الركب إلى الحجاز الشريف يوم السبت حادي عشر شوال، و خرج ناس كثير من البلد، و وقع مطر عظيم جدا، ففرح الناس به من جهة أن المطر كان قليلا جدا في شهر رمضان، و هو كانون الأصم، فلما وقع هذا استبشروا به و خافوا على الحجاج ضرره، ثم تداول المطر و تتابع و للَّه الحمد و المنة، لكن ترحل الحجاج في أوحال كثيرة و زلق كثير، و اللَّه المسلم و المعين و الحامى. و لما استقل الحجيج ذاهبين وقع عليهم مطر شديد بين الصمين فعوقهم أياما بها، ثم تحاملوا إلى زرع فلم يصلوها إلا بعد جهد جهيد و أمر شديد، و رجع كثير منهم و أكثرهم، و ذكروا أشياء عظيمة حصلت لهم من الشدة و قوة الأمطار و كثرة الأوحال، و منهم من كان تقدم إلى أرض بصرى، فحصل لهم رفق بذلك و اللَّه المستعان. و قيل إن نساء كثيرة من المخدرات مشين حفاة فيما بين زرع و الصميين