البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٧ - ثم دخلت سنة اثنتين و ستين و سبعمائة
عاش ساعة و مات، و أحضره معه و شاهده الحاضرون، و شاهده كاتب الكتاب، فإذا هو شكل سوى له على كل كتف رأس بوجه مستدير، و الوجهان إلى ناحية واحدة فسبحان الخلاق العليم.
و بلغنا أنه في هذا الشهر سقطت المنارة التي بنيت للمدرسة السلطانية بمصر، و كانت مستجدة على صفة غريبة، و ذلك أنها منارتان على أصل واحد فوق قبو الباب الّذي للمدرسة المذكورة، فلما سقطت أهلكت خلقا كثيرا من الصناع بالمدرسة و المارة و الصبيان الذين في مكتب المدرسة، و لم ينج من الصبيان فيما ذكر شيء سوى ستة، و كان جملة من هلك بسببها نحو ثلاثمائة نفس، و قيل أكثر و قيل أقل، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و خرج نائب السلطنة الأمير سيف الدين بيدمر إلى الغيضة لاصلاحها و إزالة ما فيها من الأشجار المؤذية و الدغل يوم الاثنين التاسع و العشرين من الشهر، و كان سلخه، و خرج معه جميع الجيش من الأمراء و أصحابه، و أجناد الحلقة برمتهم لم يتأخر منهم أحد، و كلهم يعملون فيها بأنفسهم و غلمانهم، و أحضر إليهم خلق من فلاحى المرج و الغوطة و غير ذلك، و رجع يوم السبت خامس الشهر الداخل و قد نظفوها من الغل و الدغل و الغش.
و اتفقت كائنة غريبة لبعض السؤال، و هو أنه اجتمع جماعة منهم قبل الفجر ليأخذوا خبزا من صدقة تربة امرأة ملك الأمراء تنكز عند باب الخواصين، فتضاربوا فيما بينهم فعمدوا إلى رجل منهم فخنقوه خنقا شديدا، و أخذوا منه جرابا فيه نحو من أربعة آلاف درهم. و شيء من الذهب و ذهبوا على حمية، و أفاق هو من الغشي فلم يجدهم، و اشتكى أمره إلى متولى البلد فلم يظفر بهم إلى الآن، و قد أخبرنى الّذي أخذوا منه أنهم أخذوا منه ثلاثة آلاف درهم معاملة، و ألف درهم بندقية و دينارين وزنهما ثلاثة دنانير. كذا قال لي إن كان صادقا.
و في صبيحة يوم السبت خامس جمادى الأولى طلب قاضى القضاة شرف الدين الحنفي للشيخ على بن البناء، و قد كان يتكلم في الجامع الأموي على العوام، و هو جالس على الأرض شيء من الوعظيات و ما أشبهها من صدره، فكأنه تعرض في غضون كلامه لأبى حنيفة (رحمه اللَّه)، فأحضر فاستتيب من ذلك، و منعه قاضى القضاة شرف الدين الكفري من الكلام على الناس و سجنه، و بلغني أنه حكم بإسلامه و أطلقه من يومه، و هذا المذكور ابن البناء عنده زهادة و تعسف، و هو مصرى يسمع الحديث و يقرؤه، و يتكلم بشيء من الوعظيات و الرقائق، و ضرب أمثال، و قد مال إليه كثير من العوام و استحلوه، و كلامه قريب إلى مفهومهم، و ربما أضحك في كلامه، و حاضرته و هو مطبوع قريب إلى الفهم، و لكنه أشار فيما ذكر عنه في شطحته إلى بعض الأشياء التي لا تنبغي أن تذكر، و اللَّه الموفق، ثم إنه جلس للناس في يوم الثلاثاء ثامنه فتكلم على عادته فتطلبه القاضي المذكور فيقال إن المذكور تعنت انتهى و اللَّه أعلم.