البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٩ - سلطنة الملك المنصور صلاح الدين محمد
وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ الآية. و وجد على حجر بالحميرية فقرئت للمأمون فإذا مكتوب.
ما اختلف الليل و النهار و لا* * * دارت نجوم السماء في الفلك
إلا لنقل النعيم من ملك* * * قد زال سلطانه إلى ملك
و ملك ذي العرش دائم أبدا* * * ليس بفان و لا بمشترك
و روى عن سليمان بن عبد الملك بن مروان أنه خرج يوما لصلاة الجمعة، و كان سوى الخلق حسنه، و قد لبس حلة خضراء، و هو شاب ممتلئ شبابا، و ينظر في أعطافه و لباسه، فأعجبه ذلك من نفسه، فلما بلغ إلى صرحة الدار تلقته جنية في صورة جارية من حظاياه فأنشدته:
أنت نعم لو كنت تبقى* * * غير أن لا حياة للإنسان
ليس فيما علمت فيك عيب* * * يذكر غير أنك فان
فصعد المنبر الّذي في جامع دمشق و خطب الناس، و كان جهوريّ الصوت يسمع أهل الجامع و هو قائم على المنبر، فضعف صوته قليلا قليلا حتى لم يسمعه أهل المقصورة، فلما فرغ من الصلاة حمل إلى منزله فاستحضر تلك الجارية التي تبدت تلك الجنية على صورتها، و قال: كيف أنشدتينى تينك البيتين؟ فقالت: ما أنشدتك شيئا. فقال: اللَّه أكبر نعيت و اللَّه إلى نفسي. فأوصى أن يكون الخليفة من بعده ابن عمه عمر بن عبد العزيز (رحمه اللَّه).
و قدم نائب طرابلس المعزول عليلا و الأمير سيف الدين استدمر الّذي كان نائب دمشق و كانا مقيمان بطرابلس جميعا، في صبيحة يوم السبت السادس و العشرين منه، فدخلا دار السعادة فلم يحتفل بهما نائب السلطنة.
و تكامل في هذا الشهر تجديد الرواق غربي باب الناطفانيين إصلاحا بدرابزيناته و تبييضا لجدرانه و محراب فيه، و جعل له شبابيك في الدرابزينات، و وقف فيه قراءة قرآن بعد المغرب، و ذكروا أن شخصا رأى مناما فقصه على نائب السلطنة فأمر بإصلاحه. و فيه نهض بناء المدرسة التي إلى جانب هذا المكان من الشباك، و قد كان أسسها أولا علم الدين بن هلال، فلما صودر أخذت منه و جعلت مضافة إلى السلطان، فبنوا فوق الأساسات و جعلوا لها خمسة شبابيك من شرقها، و بابا قبليا، و محرابا و بركة و عراقية، و جعلوا حائطها بالحجارة البيض و السود، و كملوا عاليها بالآجر، و جاءت في غاية الحسن، و قد كان السلطان الناصر حسن قد رسم بأن تجعل مكتبا للأيتام فلم يتم أمرها حتى قتل كما ذكرنا.
و اشتهر في هذا الشهر أن بقرة كانت تجيء من ناحية باب الجابية تقصد جراء لكلبة قد ماتت أمهم، و هي في ناحية كنيسة مريم في خرابة، فتجيء إليهم فتنسطح على شقها فترضع أولئك الجراء